اعتاد اللبنانيون أن يروا انقساماتهم في خرائط الطوائف والمناطق والولاءات، فيما شرخ أشدّ قسوة يشقّ حياتهم بصمت. إنّ الانقسام الأشدّ وضوحاً ورسوخاً وقسوة اليوم هو ذاك القائم بين من يستطيعون الاستغناء عن الدولة، ومن لا يملكون سواها، ولا يجدونها. مشهدٌ من حياتنا اليومية: عند واجهة مطعم ممتلئ، ينتظر عامل التوصيل طلباً يفوق ثمنه أجر يومه. تعبر أمامه سيارة فارهة، وإلى جواره تقف سيدة عند محطة الحافلات، تحسب كلفة الطريق بما ستنتزعه من حاجات البيت. في البناية المقابلة، تختار عائلة موعد عطلتها المقبلة، فيما تؤجّل عائلة في الطابق المجاور موعد الطبيب. مشهدٌ ترسم تفاصيله حدوداً غير مرئية بين بلدين لا يُفترض أن يتّسع لهما وطنٌ واحد. غير ان لبنان أصبح لبنانين متداخلين في الجغرافيا ومتباعدين في كل شيء: لبنان من يملك من المال والنفوذ ما يكفي ليقيم جداراً بين حياته وسقوط البلد، ولبنان من لم يعد قادراً على التمييز بين ما أصابه شخصياً وما أصاب لبنان كله. لم يعد الانهيار، بذلك، مصيراً وطنياً موزّعاً بالتساوي. ثمة من يراه من خلف زجاج سميك، خبراً مزعجاً يمكن الاحتماء منه أو مغادرته، وثمة من يحمله إلى بيته في كلفة الدواء وعتمة البيت وتراجع التعليم وضياع قيمة الراتب. هكذا أنتجت الأزمات والحروب شرخاً أعمق من التفاوت في الثروة: شرخاً في معنى الانتماء نفسه، بين من يسكن لبنان من فوق، معزولاً عن ثقله، ومن يسكنه من تحت، يحمل أعباءه كلّها. هناك لبنانيون يقيمون في لبنان كأنهم لا يعيشون فيه. لا يحتاجون من الدولة إلا إلى صفتها القانونية: جواز سفر يعبرون به، وسجل عقاري يحفظ أملاكهم، ورخصة بناء، ولوحة سيارة، وخاتم رسمي يثبت حقوقهم. أما التعليم والطبابة والكهرباء والأمن والنقل والتقاعد، فقد اشتروا لأنفسهم بدائل عنها. لديهم مدارسهم ومستشفياتهم ومولداتهم وحراسهم وتأميناتهم. وإذا ضاقت الحياة، سافروا؛ وإذا تعطلت مؤسسة، وجدوا بديلاً. وفي الجهة المقابلة، يعيش لبنانيون لم تعد تفصلهم عن السقوط أيّ مسافة. لا يبدو تشرّدهم مرئياً؛ قد تكون لهم بيوت ومفاتيح وعناوين مثبتة في سجلات النفوس، لكنهم يعيشون منسيين داخل أزمة لا يملكون شيئاً من شروطها. فلا تدخل الدولة منازلهم إلا من باب أعطالها: عتمة تزداد، وأسعار ترتفع، ومدرسة تتراجع، ومستشفى يوصد بابه، وبنى تحتية تتهالك، وتلوّث ينتشر، وطرقات تضيق، ومياه تنقطع، ورواتب تفقد قيمتها، ووظائف تختفي، وقضاء يتردّد. يعيشون في وطن يحتاجون إليه في كلّ شيء، ولا يصلهم منه حتى الحدّ الأدنى؛ فيغدو بقاؤهم فيه معلّقاً بالمصادفة والشفقة وأبواب أصحاب النفوذ. هؤلاء هم الأكثر حاجة إلى الدولة، لكنهم الأقل قدرة على إصلاحها أو إثبات حضورهم فيها، لأن حاجتهم إليها تحوّلت إلى تبعية يومية لمن استولوا على مفاتيحها، يستنجدون حصّتهم عبرهم؛ وكلما اشتدّت حاجتهم إلى الدولة، ازدادت قدرة إخضاعهم بغيابها.