كان الأجدى، أن لا تعقد جلسة مجلس النواب لمساءلة الحكومة وهي التي ستنقل على الهواء مباشرة، وستتحول إلى حفلة "زجل" ومزايدات بين القوى المختلفة. ربما سيتفرغ بنيامين نتنياهو طوال يومه لمشاهدة المحطات اللبنانية التي تنقل نشر غسيل الهزال، وعلى الأرجح أن يطلب نتنياهو من مساعديه اختيار اللقطات المناسبة له لنواب ومسؤولين من اتجاهات مختلفة ومتناقضة يهاجمون بعضهم بعضاً، ليعرضها على حساباته ومنصاته بما يخدم معركته الانتخابية. فهو يخوض الانتخابات لا في الميدان اللبناني فقط، بل أيضاً بأصوات وصراعات وخلافات المسؤولين اللبنانيين الذين لا يجدون في هذه المرحلة ما يجتمعون عليه، فاجتمعوا على شتم بعضهم بعضاً، وعلى حفلات التخوين والصراخ بعيداً عن أي طروحات جدية يمكنها أن تقدم رؤية أو طرحاً لكيفية الخروج من هذه المقتلة المستمرة التي لن تتوقف، لا بل إن نتنياهو يريد الفوز بانتخاباته ليواصلها سعياً وراء تحقيقه لمشروعه الأكبر. أسوأ ما في الجلسة أنها ستكون على الهواء، بدلاً من انخراط النواب وكل المسؤولين والقوى في جلسات مغلقة بحثاً عن التقاء جدي وموضوعي بمسؤولية عالية على ما يمكن تقديمه من رؤية لوقف الحرب ولتعزيز الوضعية الداخلية والحفاظ على ما تبقى من وحدة أو التقاء على حماية ما تبقى من بلد، أرض، وشعب. ما يواجهه لبنان ليس فقط حرباً إسرائيلية مستمرة وقابلة للاتساع، بل أزمات خانقة متعددة الاتجاهات، سياسياً، اقتصادياً، اجتماعياً، مالياً، ومعيشياً، وفي أي لحظة يمكن للانفجار الاجتماعي أن يحصل، وأي انفجار اجتماعي أو انهيار مالي سيكون عرضة للاستثمار الخارجي أيضاً، وستوظفه جهات عديدة لمصلحتها، علماً أن اندلاعه لن يكون بفعل فاعل أو بنتيجة مؤامرة. سوريا أيضاً، وهي التي تتعرض لحرب إسرائيلية مستمرة، انفجر الوضع الاجتماعي فيها على خلفية غلاء أسعار المحروقات، وخرجت التظاهرات في مختلف المحافظات السورية وهو ما ينذر بما هو أخطر وأسوأ على صعيد الوضع الاقتصادي وتأخر الاستثمارات، وانعكاسات الحرب الدائرة في المنطقة على الوضع فيها. كل المطالب المحقة التي يطالب بها السوريون، كما اللبنانيون قد تجد فيما بعد من يسعى إلى تغذية الصراع حولها أو بشأنها لتفجير الأوضاع من الداخل، فتتحول التحركات من مطالب اجتماعية ومعيشية إلى صراعات سياسية تأخذ أبعاداً متنوعة، إما سياسياً أو طائفياً أو مذهبياً. وهذا أكثر ما يريده الإسرائيليون ويتمنونه ويعملون عليه. عشية الجلسة، كانت إسرائيل تسرب أخباراً تشير إلى فشل خطة الجيش اللبناني بسحب سلاح حزب الله، وتتهم الجيش بأنه ينسق مع الحزب وأنه لن يكون هناك خيار بديل إلا بقيام الجيش الإسرائيلي بسحب سلاح الحزب. الرسالة واضحة مجدداً، استمرار الضغط العسكري على الجيش لدفعه إلى مواجهة الحزب، والدفع باتجاه خلق صراع داخلي لبناني يؤدي إلى حرب أو اقتتال ستكون إسرائيل أكثر من يعرف الاستثمار به. أما إذا لم يُقدِم الجيش اللبناني على سحب سلاح الحزب، ولو اقتضى ذلك الدخول بمواجهة معه، فتكون إسرائيل قد حرضت معارضي الحزب على الجيش وخلقت سجالاً متجدداً لا ينتهي، مقابل استكمالها لعملياتها العسكرية. في سوريا أيضاً، لا تزال إسرائيل تسعى إلى زرع الشقاق الداخلي، وتغذي حالة الاستعصاء في السويداء، ومؤخراً طرح الإسرائيليون فكرة إدخال دروز من السويداء للعمل في إسرائيل مقابل أجور مرتفعة جداً مقارنة مع الأجور في سوريا، كما طرحت إدخال مؤسسات صحية وتعليمية إلى المحافظة، إضافة إلى إقامة نقاط أمنية إسرائيلية داخل المحافظة يتولاها دروز في الجيش الإسرائيلي تحت شعار حماية المحافظة وأهلها. رُفِض هذا الطرح أميركياً، لكن تل أبيب ستواصل ضغوطها، وهو ما سيدفع المجتمع السوري إلى المزيد من الصراعات والانفجارات. قد تظهر هذه الملفات كأنها تفصيلية، لكنها تصب في خانة المشروع الإسرائيلي الأكبر، الذي يقوم على أكثر من نقطة. أولاً خلق صراعات داخل لبنان وداخل سوريا، تكون إسرائيل هي المستفيدة منها. ثانياً، تسمح الاستفادة لإسرائيل بأن تفرض شروطها التي تريدها إما بالمعنى السياسي أو الجغرافي أو العسكري. ثالثاً، تريد إسرائيل مواصلة عملياتها العسكرية لتوسيع نطاق الاحتلال ودمج الجغرافيا اللبنانية والسورية، تحت شعار تأمين حماية للمستوطنات ومنع تشكيل أي خطر من لبنان أو سوريا. رابعاً، سيكون الهدف الإسرائيلي الأبعد هو إحياء مشروع التقسيم الذي لا يزال يتعثر بفعل عوامل عديدة، فمشروع إسرائيل الأساسي سيكون بالسيطرة على المزيد من الأراضي اللبنانية والسورية، وتعميق العملية العسكرية في جنوب لبنان، للوصول إلى جبل الريحان والبقاع الغربي، مع فتح الحدود بين البلدين خصوصاً في المناطق الدرزية وتأمين خط الاتصال هذا، بين دروز لبنان، ودروز سوريا ودروز فلسطين. مثل هذا المشروع الإسرائيلي قديم جداً، ويتجدد مع كل محطة، منذ السبعينيات