ينتقل مجلس الشعب السوري إلى العمل التشريعي المكثف، بعد أن أنهى ترتيباته التنظيمية الداخلية، حيث يواجه اختباراً حقيقياً أمام سيل من القوانين والملفات المتراكمة التي تنتظر البت فيها، وسط ترقب نخبوي وشعبي لآليات إقرار هذه التشريعات والإجراءات التي سينتهجها، وما يستطيع المجلس فعله خلال المرحلة المقبلة. ومن المفترض، بحسب مصادر برلمانية، أن يعقد مجلس الشعب جلسته المقبلة قريباً، وهي "الأخيرة التي ستشهد مناقشات خاصة بالهيكل التنظيمي للمجلس، من إقرار اللجان الدائمة التي جرى تشكيلها أخيراً، والمصادقة على الموازنة الداخلية، ومعها يبدأ العمل التشريعي بطرح جملة من القوانين المعدة للتصويت". بالإضافة إلى مناقشة استقالة عضو المجلس الشعب المعين على قائمة الثلث الخاص برئاسة الجمهورية، مضر حمدان، المتهم بتأييد ودعم النظام المخلوع، إلى جانب مشروع قانون محول من رئيس الجمهورية ينص على إلغاء قانون محكمة الإرهاب وكل ما يترتب على قانونها. وعلى الرغم من تقييده سلطة البرلمان في المساءلة وحجب الثقة عن الحكومة أو أحد وزرائها، حافظ الإعلان الدستوري على صلاحيات المجلس في عقد جلسات استماع للوزراء والرقابة، وسلطته التشريعية في اقتراح القوانين وإقرارها وتعديل التشريعات السابقة وإقرار الموازنة والمصادقة على المعاهدات الدولية وإقرار العفو العام، فيما يظل السؤال الأبرز حول آلية عمله التشريعي واستقلاليته عن السلطة التنفيذية، وقدرته على رد أو تعديل هيكلية القوانين التي تقترحها المؤسسات الحكومية. ويعتبر رئيس لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية في مجلس الشعب، المحامي عبد الناصر حوشان، أن السلطة التنفيذية ومؤسساتها، أكثر دراية بالقوانين والتعقيدات والإشكالات التي تواجهها في عملية التطبيق والثغرات الموجودة، وبالتالي فإن التشاركية بين السلطات ضروري ومطلوب لوضع تشريعات واضحة وعملية. ويوضح حوشان في حديث لـ"المدن"، أن الوزارات سبق وأن شكلت لجان داخلية لدراسة القوانين وفحصها وتضميها في مشاريع التعديلات التي جرى رفعها للمجلس، الذي يقوم بدراستها ومتنها قبل عرضها للتصويت. ويؤكد أن العمل الحالي للمجلس يقوم على "تقديم الأولويات ودراسة المشاريع الأكثر أهمية، من خلال جدولة التشريعات وفق ترتيبات محددة، وهي عملية تبدأ خلال الجلسة القادمة التي تتضمن عقد اجتماع للجان وترتيب مهامها وإعداد خطة عملها التشريعية". ونهاية شهر تموز/يوليو الماضي، أقرّ المجلس نظامه الداخلي المؤلف من 231 مادة، بعد مناقشات وتصويت استمر لخمسة أيام، وتناولت لمداولات تنظيم الجلسات وآليات التصويت وعمل اللجان الدائمة والمؤقتة ومناقشة مشروعات القوانين، وتشكيل 27 لجنة دائمة متخصصة، ما يمكن الأعضاء من امتلاك الأدوات المساعدة في تفكيك التشريعات وفحصها قبل عرضها للتصويت. قوانين متراكمة وأولويات الجلسات الأولى ويقف البرلمان السوري اليوم، أمام فيض من القوانين التي تمس البنية المؤسساتية والاقتصادية للبلاد، اذ تؤكد مصادر في مجلس الشعب، استقبال المجلس خلال الفترة الماضية، بين 10 و 20 قانوناً شهرياً، تتنوع بحسب الأهمية والحاجة والصياغة، "بعضها قوانين سابقة قد جرى ادخال تعديلات جزئية عليها وأخرى تم تغيير كامل القانون مع الاحتفاظ بالأساس التشريعي، ومنها قوانين وتشريعات مستحدثة وجديدة كلياً". ويشير عضو مجلس الشعب السوري عقيل حسين، إلى تعدد الروافد المقترحة للقوانين، منها ما يصل من السلطة التنفيذية عبر رئيس الجمهورية أو الوزارات والمؤسسات الحكومية، وأخرى يطرحها الأعضاء، حيث تحال إلى اللجنة المختصة التي تصيغ نص القانون ثم يقدم إلى لجنة الشؤون التشريعية لفحصه، بعدها يرفع لتصويت الأعضاء". ويؤكد حسين لـ"المدن"، أن أولوية الأجندة التشريعية حالياً لدى المجلس "تتمثل بإلغاء القوانين والتشريعات الاستثنائية التي اتخذها النظام البائد، خصوصاً المتعلقة بمحكمة الإرهاب والقرارات الأمنية، بسبب الإشكالات والقيود الحياتية التي يواجهها المتضررون منها". وبعد الانتهاء من معالجة هذه الخطوة، يضيف حسين أن "مجلس الشعب يتجه لدراسة قضية المفصولين من الموظفين المدنيين والمنشقين، بسبب انتمائهم للثورة، بعدها دراسة ملف قانون العدالة الانتقالية والعزل السياسي والخدمة المدنية، وغيرها من التشريعات ذات الصلة". وبذلك يكون المسار الأساسي للمجلس خلال المرحلة المقبلة، "بتمكين الاستقرار المجتمعي ومعالجة مشاكل الأهالي والمتضررين وتحقيق العدالة، ومعها تحديث وتطوير الأطر التشريعية للمؤسسات الخدمية". وتتباين القراءات حول مستقبل الأداء البرلماني داخل الأوساط السورية، بين من يعتبر بدء المجلس بالتشريعات الأساسية ذات الاحتكاك بالشارع السوري، ضرورة ملحة ومدخل مناسب لبناء مساحة تشاركية بين المكونات السورية التي يمثلها الأعضاء، ينظر آخرون إلى غياب الكتل السياسية والحزبية