لم يكن ألزهايمر بالنسبة إليّ مجرّد اسم لمرض قرأت عنه أو سمعت به. عشته عن قرب، مع جدتي التي بدأت ذاكرتها تتراجع أمامنا شيئاً فشيئاً، إلى أن وصلت إلى مراحل متقدمة من المرض، وأصبحت الذكريات التي رافقتها طوال حياتها تتلاشى واحدة تلو الأخرى. في البداية، كانت تتذكر ماضيها بوضوح. كانت تستعيد تفاصيل قديمة، وتتحدث عن أشخاص وأحداث من سنوات بعيدة، وكأن الماضي كان أكثر حضوراً في ذاكرتها من الحاضر. ومع مرور الوقت، بدأت هذه الذكريات نفسها بالتراجع. شيئاً فشيئاً، أخذ المرض منها ما كانت تختزنه في ذاكرتها، حتى أصبحت الكثير من الوجوه والأسماء والقصص التي شكّلت حياتها منسية تماماً. كان مؤلماً أن نرى شخصاً نعرفه ونحبه، ونشعر في الوقت نفسه أن أجزاء منه تختفي أمامنا تدريجياً. ومع تقدّم المرض، أصبحت ذاكرتها أكثر هشاشة، إلى أن بقي شخص واحد تقريباً حاضراً في ذاكرتها بشكل لافت: ابنها. وسط كل ما نسيته، ظلّت تعرفه وتتذكره، وكأن بعض الروابط العاطفية استطاعت أن تصمد في وجه المرض أكثر من غيرها. امرأة مسنّة تواجه مرض ألزهايمر (magnific). هذه التجربة جعلتني أطرح أسئلة كثيرة: كيف يبدأ ألزهايمر؟ هل كل نسيان يعني الإصابة بالمرض؟ لماذا تختفي بعض الذكريات قبل أخرى؟ وهل يمكن أن نكتشف المرض قبل أن يصل بالمريض إلى هذه المرحلة؟ في الشهر العالمي لمرض ألزهايمر، تحدثتُ مع د. حسين درويش، جراح الدماغ والأعصاب والعمود الفقري، لفهم هذا المرض الذي لا يؤثر في الذاكرة فقط، بل يغيّر تدريجياً علاقة الإنسان بنفسه وبمن حوله. ألزهايمر... عندما تبدأ الذاكرة بالتلاشي يشرح د. درويش لـ "النهار" أن ألزهايمر يرتبط بتراكم بروتينات معينة في الدماغ، أبرزها الأميلويد وبروتين "تاو". ومع تراكم هذه البروتينات في مناطق محددة من الدماغ، تبدأ الخلايا بالتضرر ويحدث ضمور في الدماغ، فيتطور المرض تدريجياً من مرحلة خفيفة إلى متوسطة ثم شديدة. لكن تجربة المريض لا تتوقف عند فقدان الذاكرة. مع تقدم المرض، يمكن أن تتغير أيضاً طريقة تصرفه وتعامله مع الآخرين، وقد تظهر اضطرابات في النوم والنشاط والسلوك. ما الفرق بين ألزهايمر والنسيان الطبيعي؟ جميعنا نمرّ بلحظات ننسى فيها بعض التفاصيل والأمور في حياتنا اليومية، لكن متى يكون هذا النسيان طبيعياً، ومتى يصبح مؤشراً يستدعي القلق؟ بحسب د. درويش، فإن العامل الأساسي الذي يحدد مدى خطورة النسيان هو تأثيره في الحياة اليومية وقدرة الشخص على ممارسة مهامه المعتادة. نسيان مكان المفاتيح ثم تذكره بعد فترة قصيرة لا يعني بالضرورة الإصابة بألزهايمر. لكن عندما يبدأ الشخص بنسيان أمور أساسية، أو يكرر السؤال نفسه مرات عديدة، أو يعجز عن القيام بمهام اعتاد القيام بها، ويبدأ ذلك بالتأثير في حياته اليومية، يصبح الأمر أكثر إثارة للقلق. وهذا تحديداً ما يجعل ملاحظة التغيّرات المبكرة مهمة، لأن مريض ألزهايمر قد لا يدرك دائماً أن هناك شيئاً تغير فيه، بينما تكون العائلة أول من يلاحظ ذلك. شخصية طبية لرجل مع إبراز الجزء الأمامي من الدماغ (magnific).ش لماذا تبقى بعض الذكريات وتختفي أخرى؟ من أكثر الأمور التي بقيت في ذاكرتي من رحلة جدتي مع المرض أنها كانت تستعيد الماضي في مرحلة معينة، قبل أن تبدأ ذكرياتها بالتلاشي تدريجياً. ومع الوقت، اختفت أسماء ووجوه وقصص كثيرة، لكن بقي ابنها حاضراً في ذاكرتها. هذه التجربة تفتح سؤالاً إنسانياً قبل أن يكون طبياً: لماذا تبقى بعض الروابط والذكريات حاضرة بينما تختفي أخرى؟ يشرح د. درويش أن ألزهايمر مرض تدريجي، يبدأ قبل ظهور الأعراض بسنوات، ومع تقدمه تتأثر وظائف ومناطق مختلفة من الدماغ، فتتراجع القدرة على التذكر والتواصل والتعامل مع المحيط. هل يمكن اكتشاف المرض قبل أن يبدأ؟ من التطورات المهمة في السنوات الأخيرة إمكانية اكتشاف مؤشرات ألزهايمر قبل ظهور الأعراض السريرية الواضحة. ويمكن في حالات معينة الاستعانة بفحوص الدم أو السائل النخاعي للمساعدة في الكشف عن المرض. وهذا الاكتشاف المبكر مهم لأن بعض العلاجات الحديثة، المعروفة باسم الأدوية المعدّلة لمسار المرض (Disease-Modifying Medications)، تستهدف البروتينات التي تتراكم في الدماغ، بهدف إبطاء تطور المرض. ومع التقدّم في فهم ألزهايمر وطرق تشخيصه وعلاجه، يبقى السؤال الأهم: هل يمكن الحدّ من خطر الإصابة به أو تأخير ظهوره؟ يوضح د. درويش أن "لا يمكننا منع ألزهايمر بشكل كامل، لكن يمكننا تأخير ظهوره وإبطاء تطوره"، مشيراً إلى أن التقدم في العمر من أبرز عوامل الخطورة، إلى جانب التدخين، والسكري، وارتفاع ضغط الدم، وقلة الحركة ومشكلات الأوعية الدموية. ويؤكد أن اتباع نمط حياة صحي، وممارسة الرياضة بانتظام، وضبط الضغط والسكري، والابتعاد عن التدخين، إلى جانب الحفاظ على النشاط الذهني، كلها عوامل تساعد في تأخير المرض. مع تق