دخلت التحقيقات العراقية بشأن الهجمات التي استهدفت منشآت النفط السعودية مرحلة أكثر حساسية، بعدما كشفت نتائج أولية توصلت إليها جهات أمنية وعسكرية واستخبارية عراقية عن وجود شبكة عملياتية مختلفة عن نمط الفصائل العراقية المسلحة المعروفة، تعمل عبر مجاميع صغيرة وخلايا متخصصة في تشغيل الطائرات المسيّرة وتنفيذ العمليات العابرة للحدود. وتكتسب هذه المعلومات أهمية استثنائية بعدما ثبت للسلطات العراقية أن الطائرات المسيّرة التي استهدفت في 10 أيلول/سبتمبر الجاري منشآت مرتبطة بخط أنابيب النفط السعودي شرق ـ غرب في منطقتي الرياض والمدينة المنورة، انطلقت من العراق، وتحديداً من محافظة ميسان الحدودية مع إيران. وأعلنت بغداد فتح تحقيق أمني واستخباري واسع، فيما عثرت القوات العراقية على منصات ومعدات لإطلاق المسيّرات في منطقة الطيب قرب الحدود الإيرانية. وأكدت خلية الإعلام الأمني أن فريقاً استخبارياً وأمنياً تمكن من ضبط منصة إطلاق، مع استمرار الفحوص الفنية والأدلة الجنائية للوصول إلى المنفذين والجهات التي تقف خلف العملية. وبحسب مصادر "النهار"، فإن "خطورة القضية لا تكمن فقط في استخدام الأراضي العراقية كنقطة انطلاق للهجوم، وإنما في احتمال وجود بنية عملياتية منفصلة عن الهياكل التقليدية للفصائل المسلحة، تمتلك القدرة على التحرك بسرية، وتأمين الطائرات المسيّرة ومعدات إطلاقها، واختيار مواقع بعيدة عن مراكز المدن، ثم تنفيذ عمليات يصل مداها إلى مئات الكيلومترات خارج الحدود العراقية". وأضافت أن الجهات المختصة تتعامل مع هذه الفرضية باعتبارها أحد المسارات الأساسية للتحقيق، خصوصاً أن موقع الإطلاق في ميسان يقع ضمن منطقة حدودية حساسة لطالما كانت محل اهتمام أمني بسبب نشاط شبكات التهريب والحركة المسلحة العابرة للحدود. وأكدت المصادر أن "هذه الخلايا مرتبطة بشبكات الحرس الثوري الإيراني والحوثيين، وتتلقى منهما توجيهات ودعماً فنياً ولوجستياً من خارج العراق، فيما تُنفذ العمليات بأوامر مباشرة بعيداً من قيادات الفصائل العراقية التقليدية". وكشفت أن رئيس الوزراء علي الزيدي اتخذ سلسلة إجراءات عسكرية وأمنية عقب ثبوت انطلاق الهجوم من الأراضي العراقية، شملت إقالة قيادات أمنية وعسكرية في ميسان وإحالة مسؤولين إلى التحقيق. وعكست هذه الإجراءات تعامل بغداد مع الحادث باعتباره خرقاً أمنياً خطيراً داخل الأراضي العراقية، فيما أغلقت السلطات بصورة موقتة عدداً من المنافذ الحدودية مع إيران، بينها الشلامجة والشيب ومندلي، في إطار إجراءات أمنية لمنع فرار المتورطين المحتملين أو انتقال الأدلة والمعدات عبر الحدود. وتأتي هذه التطورات في وقت بالغ التعقيد بالنسبة إلى العراق. فمن جهة، تؤكد الحكومة رفضها الدخول في الحرب الإقليمية أو السماح باستخدام أراضيها لضرب دول الجوار، ومن جهة أخرى تكشف التحقيقات عن قدرة جماعات مسلحة وشبكات عملياتية على التحرك داخل مناطق عراقية حساسة وتنفيذ هجمات ذات أبعاد إقليمية من دون أن تتمكن الأجهزة الرسمية من منعها قبل وقوعها. قوات أمنية عراقية خلال عرض في يوم الشرطة ببغداد. (رويترز-أرشيف) ولم تكن حادثة خط أنابيب شرق ـ غرب الأولى من نوعها. ففي أواخر تموز/يوليو الماضي، أعلنت السعودية اعتراض طائرات مسيّرة قالت إنها انطلقت من الأراضي العراقية واستهدفت منشآت نفطية، واتهمت الرياض جماعات مدعومة من إيران داخل العراق بالوقوف وراء تلك الهجمات. وبعد أقل من يوم، تعرضت مواقع تابعة لفصائل مسلحة في العراق لضربات جوية سعودية ـ أميركية، فيما أعلنت هيئة الحشد الشعبي مقتل وإصابة عشرات من عناصرها. وأكدت واشنطن والرياض آنذاك أن الضربات استهدفت مواقع مرتبطة بجماعات موالية لإيران ومسؤولة عن هجمات ضد القوات الأميركية والمنشآت النفطية السعودية. وبينما لا تزال التحقيقات العراقية تبحث عن الأسماء والجهات التي تقف خلف العملية الأخيرة، يثير التسلسل الزمني للهجمات مخاوف أمنية من انتقال النشاط من عمليات تنفذها فصائل معروفة إلى خلايا أكثر سرية وأقل قابلية للرصد والمساءلة، خصوصاً إذا كانت تعمل عبر شبكات دعم تمتد خارج الحدود. ويقول الخبير العسكري اللواء أحمد الدليمي لـ"النهار" إن "استمرار هذا النمط قد يدفع العراق تدريجياً إلى موقع متقدم في خريطة الصراع الإقليمي، بحيث تصبح الأراضي العراقية ممراً ومنصة لهجمات تستهدف السعودية أو القوات والمصالح الأميركية أو أي طرف آخر في المنطقة". ويضيف أن ذلك "قد يفتح الباب أمام ردود عسكرية مباشرة داخل العراق، ويضع الحكومة أمام تحد حقيقي في قدرتها على فرض السيطرة على الحدود والمجال الأمني ومنع السلاح غير المنضبط من تحويل البلاد إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية". وتزداد المخاوف مع تزامن الهجوم على خط الأنابيب السعودي مع تصعيد مواز تقوده جماعة الحوثي في البحر الأحمر، م