في كتاب محمد العارضي قصص عن القيادة والتعلّم والمخاطرة والنموّ، لكن القصة الأكبر هي كيف تحوّلت إنفستكورب من مؤسّسة تدير نحو 10 مليارات دولار إلى منصّة عالمية تدير 62 ملياراً. هناك كتب تُقرأ لمعرفة قصّة صاحبها، وكتب تُقرأ بحثاً عن وصفة للنجاح. وهناك كتب قليلة تجمع الاثنين: تحكي قصّة رجل، لكنها في الوقت نفسه تضع أمام القارئ أسئلة عن القيادة، والتعلم، والخوف من التغيير، وبناء المؤسّسات. كتاب محمد العارضي «نحو المستقبل»، الصادر بالإنكليزية بعنوان Connecting to the Future: A Blueprint for Dynamic Leadership، هو من هذا النوع. ولعل أفضل دليل على وصول الكتاب إلى جمهور يتجاوز عالم الاستثمار أن الكتاب ظهر كأحد الكتب الأميركية الأكثر مبيعاً على قائمة USA Today وبقي عليها عدة أسابيع، كما تصدّر قائمة Porchlight Business Books في نوفمبر 2023. (Investcorp) لكن أهمية الكتاب لا تأتي من المبيعات وحدها. أهميته تأتي من أنه يحاول الإجابة عن سؤال شديد الصلة بعالم الأعمال العربي اليوم: كيف تأخذ مؤسّسة ناجحة، وتمنع نجاحها من أن يتحوّل إلى قيد يمنعها من النجاح مرة أخرى؟ من قمرة الطائرة إلى غرفة مجلس الإدارة يبدأ العارضي من المكان الذي يعرفه أكثر من غيره: قمرة القيادة. قبل أن يصبح رئيساً تنفيذياً لمؤسّسة استثمارية عالمية، كان قائداً في سلاح الجو السلطاني العُماني، ووصل إلى رتبة نائب مشير، وكان أصغر وأطول خدمة بين قادة سلاح الجوّ العُماني. وهذه الخلفية ليست مجرّد تفصيل في السيرة. إنها المفتاح لفهم فلسفته في القيادة. فالطيّار المقاتل لا يستطيع أن ينظر فقط إلى الطائرة التي يقودها. عليه أن يعرف أين هو في السماء، وما الذي يحدث حوله، وما المخاطر التي لا يراها مباشرة، وكيف يتصرّف عندما تتغيّر الظروف في ثوانٍ. يستخدم العارضي هذه الفكرة في عالم الاستثمار: الوعي بالمحيط، أو Situational Awareness، ليس مهارة عسكرية فقط؛ إنه شرط للقيادة في عالم الأعمال. وفي واحدة من أجمل الاستعارات في الكتاب، يشبّه انتقاله من القوات الجوية إلى عالم الأعمال بالانتقال من قمرة قيادة إلى أخرى: عليك أن تتعلم قمرة جديدة وقائمة فحص جديدة، لكنك تدخلها بالعقلية والقدرات التي اكتسبتها من القمرة الأولى. وقد لخصت «ذا ناشونال» هذه الفكرة باعتبارها أحد المحاور الأساسية في الكتاب. (The National) وهنا تكمن أولى رسائل الكتاب: لا تبدأ حياتك المهنية من الصفر كلما انتقلت إلى مجال جديد. خذ معك ما تعلمته، لكن لا تفترض أن ما تعلمته يكفي وحده. اللافت أن العارضي لم يصل إلى إنفستكورب في لحظة مثالية. انضمّ إلى مجلس إدارة الشركة عام 2008، وفي العام نفسه تقريباً انفجرت الأزمة المالية العالمية وسقط بنك ليمان براذرز. وكانت إنفستكورب قد مرّت بتجربة شديدة القسوة؛ فقد فقدت أكثر من نصف حقوق ملكيتها خلال الأزمة. (leadersmag.com) هذه التجربة تظهر في الكتاب لا باعتبارها فشلاً يجب إخفاؤه، بل باعتبارها درساً مؤسّسياً. وهنا تظهر فلسفة مهمة جداً لدى العارضي: الأزمات لا تكشف فقط قوة المؤسّسة؛ تكشف أيضاً نقاط ضعفها الداخلية. فالخطر الخارجي قد يكون أزمة مالية أو حرباً أو تغيّراً في أسعار الفائدة. لكن أثره يعتمد على كون المؤسّسة نفسها مرنة أو جامدة، متنوّعة أو معتمدة على مصدر واحد للدخل، وتعمل كفريق أو كجزر منفصلة. ربما تكون هذه هي النقطة التي تجعل تجربة إنفستكورب من أكثر أجزاء الكتاب إثارةً للاهتمام. عندما تولى العارضي منصب رئيس مجلس الإدارة التنفيذي عام 2015، كانت إنفستكورب تدير نحو 10 مليارات دولار من الأصول. وكانت المؤسّسة قد بنت اسماً قويّاً على مدى عقود، خصوصاً من خلال استثماراتها المعروفة في شركات مثل Tiffany وGucci. لكن المؤسّسة كانت بحاجة إلى شيء مختلف: ليس مجرّد صفقة ناجحة أخرى، بل إعادة بناء نموذج النموّ نفسه. اجتمع العارضي مع الرئيسين التنفيذيين المشاركين آنذاك لوضع خريطة طريق. وكان الهدف طموحاً إلى حدّ بدا للبعض جريئاً: الوصول إلى 25 مليار دولار من الأصول المدارة، أي أكثر من مضاعفة الحجم في خمس سنوات. لكنّ الهدف تحقّق في ثلاث سنوات فقط. تقول إنفستكورب اليوم إن استراتيجيتها العالمية التي بدأت عام 2015 نقلت الأصول المدارة من 10.6 مليارات دولار إلى 62 ملياراً بنهاية 2025، مع الانتقال من ثلاث فئات رئيسية من الأصول إلى أربع، والتوسّع العالمي. (Investcorp) أي إننا لا نتحدّث فقط عن نموّ مالي. نحن نتحدّث عن تغيير في حجم المؤسّسة بأكثر من ستة أضعاف خلال عقد واحد. وهنا تصبح قصة إنفستكورب أكثر من مجرّد قصّة استثمارية. إنها حالة دراسية في كيفية تحويل الطموح إلى خطة، والخطة إلى ثقافة، والثقافة إلى نتائج. لا تعاقب الشخص الذي حاول بالطريقة الصحيحة من أجمل قصص الكتاب تلك المرتبطة بالفشل. قد يبدو ذلك