فتح الكاتب سليمان الفرزلي ملف شخصية الرئيس العراقي السابق صدام حسين من زاوية مختلفة، مستعيدًا لقاءاته المباشرة معه ورحلته برفقته إلى موسكو وأحاديثه مع عدد من رجال حزب البعث، في محاولة لتفكيك شخصية قال إنها بقيت، رغم كل ما كُتب عنها، أسيرة القراءة السياسية من دون التعمق بما يكفي في تكوينها الشخصي والعشائري والفكري. وفي مقابلة ضمن برنامج "THE HIGHLIGHT" عبر شاشة "RED TV"، تحدث الفرزلي عن كتابه "العراقي الغامض... قراءة متأخرة في عقل صدام حسين"، موضحًا أن تأخر إنجازه ارتبط، من بين أسباب أخرى، بوثائق وأوراق أميركية كشفت، وفق قوله، عن هوية من كتب بعض الروايات المتعلقة بصدام، وما تضمنته من ثغرات في التسلسل التاريخي، مع إقراره في الوقت نفسه بصحة بعض المعلومات التي وردت فيها. وأكد الفرزلي أنه اعتمد في إعداد الكتاب على أحاديثه المباشرة مع صدام حسين ومع عدد من رجال حزبه، ولا سيما ميشال عفلق، الذي وصفه بصاحب الفكر الأساسي في حزب البعث، مشيرًا إلى أن صدام نفسه كان يعترف بتأثره بعفلق. وقال إنه التقى صدام حسين مرتين في منزله بعد الحرب، حيث دارت بينهما نقاشات ذات جوانب فكرية وسياسية، تناول خلالها صدام الأسباب الموجبة للحرب ومطالبته الدول باتخاذ موقف محايد بين إيران والعراق. ويروي الفرزلي أنه سأل صدام عن طبيعة الحياد الذي يريده، وما إذا كان يقصد حيادًا يساعد العراق وإيران معًا أم حيادًا لا يساعد أيًا منهما، مضيفًا أن صدام ارتبك عند السؤال وقال إن من يساعد الطرفين لا تكون نيته صافية. كما استعاد نقاشًا معه بشأن الموقف الفلسطيني، قائلًا إنه طرح أمامه مثال ياسر عرفات والفلسطينيين الذين انحازوا، بحسب روايته، إلى إيران ضده رغم التحالف السابق، وسأله عما إذا كان يخشى أن ينعكس ذلك على موقف العراقيين من القضية الفلسطينية. وبحسب الفرزلي، أجاب صدام بأن هذا الاحتمال كان ممكنًا لولا وجود "المربي"، في إشارة إلى حزب البعث العربي الاشتراكي، وهو ما دفع الفرزلي إلى تخصيص فصل كامل في كتابه حمل عنوان "المربي". وأوضح أن هذا الفصل يتناول جوانب من الحياة اليومية قد تبدو بسيطة، لكنها تكشف طريقة صدام في محاولة تغيير المجتمع. وروى، كمثال، أنه سعى إلى تغيير بعض العادات المرتبطة بتناول الطعام، فوزّع الشوك والملاعق على المنازل، وعندما لاحظ أن الكبار لم يأخذوا الأمر بجدية، اعتمد على الأطفال لتعليم الأجيال الأكبر. ورأى الفرزلي أن صدام حسين كان "حالة خاصة في العالم العربي"، معتبرًا أنه، على غرار الأنظمة الديكتاتورية، كان يستعجل النتائج ويسعى إلى إحداث تقدم سريع في المجتمع، في وقت تتحرك فيه المجتمعات العربية، وفق توصيفه، بوتيرة أبطأ بسبب العادات والتقاليد الدينية والاجتماعية وغيرها. وأشار إلى أن أفكار صدام كانت في أساسها علمانية، إلا أن الحرب مع إيران دفعته، وفق روايته، إلى اتخاذ منحى ديني، بعدما رأى أنه لا يستطيع مواجهة دولة ذات طابع ديني بدولة ذات هوية علمانية ملتبسة. وأضاف أن هذا التحول انعكس أيضًا على رموز الدولة، مشيرًا إلى أن صدام غيّر علم العراق، وأخذ من دمه لكتابة عبارة "الله أكبر" عليه، ودفع باتجاه إظهار الدولة بطابع ديني أكبر. وتطرق الفرزلي كذلك إلى أحداث عام 1979، قائلًا إن صدام أجرى تصفيات واسعة داخل حزبه في تلك المرحلة، رابطًا ذلك بالخلاف والانقلاب السياسي على سوريا. وفي سياق آخر، استعاد الفرزلي وجوده في بغداد عام 1975، حين أُبلغ بأن صدام سيتوجه إلى موسكو وسُئل إن كان يرغب في مرافقته، فوافق. وقال إن أبرز ما تحدث عنه صدام خلال تلك الرحلة كان ما سماه "خليجية العراق"، وشعوره بأن العراق حُرم من أن يكون دولة خليجية ذات منفذ مباشر على مياه عميقة. وبحسب الفرزلي، لم يكن صدام يريد في البداية غزو الكويت، بل كان يريد التوصل إلى اتفاق يحصل العراق بموجبه على موقع استراتيجي يطل على البحر، مشيرًا إلى أن آخرين سبقوه إلى طرح مطالب مشابهة، إلا أن صدام كان الشخص الذي انتقل إلى التنفيذ. وأضاف أن الدول الكبرى رسمت المنطقة بهذه الطريقة، معتبرًا أن حرمان العراق من منفذ خليجي على مياه عميقة لم يكن أمرًا عابرًا أو محض صدفة، بل نتيجة تخطيط لشكل المنطقة، وأن صدام استند إلى فكرة "خليجية العراق" في مقاربته لهذا الملف. ورأى الفرزلي أن صدام، عندما فشل مشروعه، دخل الحرب، وأن هذه الحرب اتسعت لاحقًا لتأخذ مدى واسعًا وصولًا إلى 3 حروب وصفها بأنها أشبه بحروب عالمية، مشيرًا إلى أنه لم يكن هناك في تلك المرحلة أي توجه دولي يمكن أن يسعفه. وتحدث أيضًا عن علاقة صدام بشاه إيران، معتبرًا أنه كان حذرًا، وأن الاتفاق مع الشاه منحه ارتياحًا سياسيًا بعد إنهاء التمرد الكردي، إلا أنه لم يحسب، وفق قوله، أن الشاه سيغادر لاحقًا. وفي جانب آخر من شخصية صدام وسياساته الداخلية، تناول الفرزلي محاولات تطو