يستكشف "داو" للمخرج الروسي إليا خرجانوفسكي، من خلال سيرة الفيزيائي ليف لانداو، أسئلة تتجاوز سيرة الفيزيائي إلى علاقة العِلم بالسلطة، والموهبة بالمسؤولية، والفرد بالدولة. استغرق إنجاز هذه الرائعة السينمائية سنوات طويلة، وبُنيت على مزيج من الأشخاص الحقيقيين، والحوارات المرتجلة، والمرجعيات الفنية التي تجد مصادرها في الطليعية الروسية. في هذه المقابلة مع "النهار"، يتحدّث خرجانوفسكي الفائز بجائزة الإخراج (”أسد فضّة“) في مهرجان البندقية الأخير، عن البُعد الروحي في الفيلم وفكرة "الأبعاد" المختلفة التي حاول بناءها دراماتورجياً، كما يتوقّف عند تجربته مع الاتحاد السوفياتي وروسيا المعاصرة، وعلاقته المؤلمة بوطنه الذي لم يعد يحمل جواز سفره، وتصنيفه "عميلاً أجنبياً". يتطرق أيضاً إلى الحرب في أوكرانيا، وآليات العنف والشمولية، وما الذي يبقى من روح الإنسان بعد أن تخضع الدولة جسده وإرادته. * أعجبتني جداً الناحية البصرية للفيلم، وهي حتماً مسألة مهمّة بالنسبة لك مخرجاً سليلاً للمشهدية الروسية. ولكن، هل ترى نفسك تنتمي إلى التقليد الجمالي الروسي؟ - أعتقد أنني ببساطة أنتمي إلى تقليد السينما. في طبيعة الحال، نشأتُ في روسيا. في الواقع، نشأتُ في الاتحاد السوفياتي. أمضيتُ شبابي في روسيا، ولذلك فإن السينما الروسية تجري في دمّي. لكن السينما لا جنسية لها. في الفيلم، هناك، مثلاً، مشهد يدور فيه حوار بين ديفيد ج. غروس، الحائز "نوبل"، وداو، يتحدّثان عن جنسية العلماء. يقول داو إن العلماء لا جنسية لهم. وهذا في اعتقادي ينسحب على السينما أيضاً، إذا كنّا نتحدّث عن السينما على نطاق ثقافي. الفيلم يستند، في جزئه الأول إلى الطليعية السوفياتية في العشرينات. فالجزء الأول، الذي صُوِّر في سانت بطرسبرغ، يستند إلى لوحة، ثم إلى أفكار تتعلّق بالألوان عند ليوبوف بوبوفا، وكاندينسكي، وماليفيتش، وفيلونوف. من هنا حاولتُ أن أربطه ثقافياً بتلك الحقبة. ثم، على سبيل المثل، استندت اختيارات الأزياء في الجزء الذي صُوّر في موسكو إلى ماغريت. إنها تركيبة من فنّانين مختلفين وأساليب جمالية مختلفة. حاولتُ أن أجد الأفضل، فعلتُ ذلك مع مصمّمي الأزياء، وعددهم ستّة، ومع مصمّمي الديكور، وعددهم ثلاثة، ومع مديري التصوير، ولدينا أيضاً ثلاثة منهم. حاولنا مزج التقاليد التي يحملها كلّ واحد منهم ويفهمها. اللغتان البصرية والصوتية اللتان نبتكرهما ينبغي أن تولّدا نوعاً من البوّابة، بحيث يمدّك بشعور معين، من دون أن تكون مضطراً في الضرورة إلى فهمه أو تفسير سبب شعورك بهذا الشيء أو ذاك. فيلم مستوحى من الطليعية الروسية * لكن لماذا اخترت هذه الشخصية تحديداً، كيف استجابت إلى تطلعاتك؟ - في البداية، استُلهِمت الشخصية من ليف لانداو، لكن، قبل التصوير مباشرةً، اتّجهتُ نحو مسار أكثر تجريداً. فعندما قررتُ أن أصوّر أشخاصاً حقيقيين، لا ممثّلين (قامات كبيرة، مخرجون، موسيقيون، علماء، ومسرحيون) حاولتُ أن أفهم ما هي العبقرية، ما هي الموهبة، ما هو هذا العطاء أو الاستعداد الذي يمتلكه الإنسان، وكيف يمكن أن تتصرف إذا كنتَ تملك هذه الموهبة؟ يستند الفيلم إلى قصّة علماء الفيزياء السوفيات الذين كانوا، مثل زملائهم الأميركيين والألمان والإسكندينافيين، يؤمنون في العشرينات بأنهم سيغيّرون العالم، وبأنهم سيفسّرون العالم، وبأنهم سيكتشفون أجمل ما في الكون. لكنهم انتهوا إلى ابتكار أكثر الأسلحة فظاعةً، سلاح فتّاك في امكانه تدمير العالم بأسره. وهذا أمر يصعب جداً، حتى عندما أتحدّث عنه، أن نتقبّله كحقيقة: لم يسبق في تاريخ البشرية، ولا في تاريخ الأرض، أن صُنِع شيء كهذا. في المقابل، لم يكونوا سوى أشخاص معدومي الخيارات. من المؤسف أن تمتلك هذه الموهبة، وأن تؤمن بالجمال، ثم ينتهي بك إلى خلق الجحيم. لكن، من ناحية أخرى، كيف ينعكس ذلك في حياتنا الخاصة؟ لأنها حياتنا عالم صغير نتصرف فيه. استلهمت الفيلم من قصّة ليف لانداو، لكنني جعلته شخصية من أصول يونانية. حاولتُ أن أجد شخصاً يمثّل ثقافة كانت موجودة قبل الأديان الإبرهيمية. لانداو لم يكن روسياً يونانياً، كان يهودياً. وقد استعنتُ بعدد من العلماء اليهود العظماء. كان مهماً بالنسبة لي أن يتحدّث الروسية. أردتُ الفيلم مزيجاً من الطاقات والشخصيات المختلفة. * ماذا وجدت في ثيودور كورنتيس تحديداً، وجعلك ترى فيه الشخصية التي كنت تبحث عنها؟ - عندما التقيتُ ثيودور كورنتيس، أدركتُ أنه يمتلك هذا المزيج المثالي من الصفات المختلفة في شخصيته، وكذلك في علاقته بنوع آخر من الثقافات؛ علاقة مباشرة يكون فيها للأخلاق والقيم، وللطريقة التي تفكّر بها في إيمانك الخاص، مكان مختلف. ما هو الإيمان؟ إنه مختلف تماماً عمّا نستخدمه، لنقل، في الثقافة الغربية. وروسيا، في المناسبة، ليست غربية تماماً. إنها أقرب إلى آسيا. هل يمكنك أن تتحدّث