بعد 44 عاماً على اغتيال الشيخ بشير الجميل، أنا مطالب بالعودة إلى نفسي قبل العودة إليه، أنا الدرزي الجنبلاطي اليساري الشيوعي. كنت في الجهة "المعادية" له، ورأيت فيه تبلور مشروع اليمين اللبناني، وخفت من وطن قومي مسيحي يضيق بسائر أبنائه. اليوم، يصعب عليّ أن أواصل محاكمته بالأفكار نفسها، بعدما علّمنا الخراب ما منعتنا الحماسة من تعلّمه. تخاصمنا، لكن علينا الاعتراف بأننا – في ضفتي الحرب الأهلية اللبنانية - اختصرنا خصومنا في أسوأ ما فيهم، ومنحنا أنفسنا براءة لم نستحقّها. بعد انتخاب بشير رئيساً في 23 آب 1982، كان واضحاً أنه خلع بزّة "الباش" الميليشياوية وارتدى رداء الوطن الفضفاض. أرى اليوم في تمسّكه بشعار 10452 كيلومتراً مربعاً دعوةً كان يجب أن تجمعنا. ولقاؤه صائب سلام في 11 أيلول كان إشارةً إلى إمكان اللقاء خارج خطوط الحرب. اغتياله في 14 أيلول 1982 أبقى هذا التحوّل وعداً محجوراً، لكنّه وعد كان يستحقّ أن ننصت إليه. كنّا على حقّ في نصرة الفلسطينيين وحقوقهم، لكننا أخطأنا حين منحنا سلاحهم حصانة أخلاقية، وتعاملنا مع سيادة لبنان بوصفها تفصيلاً "برجوازياً" يمكن تأجيله إلى ما بعد تحرير فلسطين، و تساهلنا مع ممارسات حلفائنا، وقرأنا خوف اللبنانيين منها رجعيةً أو خيانة، تحت شعار "لا صوت يعلو على صوت المعركة". كان ممكناً الدفاع عن حق الفلسطينيين في تقرير المصير، وصون كرامة اللاجئين، والتمسّك بسلطة الدولة على كل سلاح. وكان ممكناً أن نفهم قلق المسيحيين من دون التسليم بمشاريع الانعزال اللبناني. لكنّ بعضنا فضّل نقاء الشعارات على مشقّة التسوية، وترك اللبنانيين والفلسطينيين يدفعون الثمن. فأيّ وطنية هذه التي تقبل أن يتحوّل الفقراء وقوداً لحرب يقرّر سواهم استمرارها؟ في 2005، عدتُ مع كثيرين مثلي إلى "لبنان أولاً"، وطالبنا بالسيادة وبإنهاء الوصاية، وببعض ما كان سبباً في معاداتنا بشير. اكتشفنا متأخّرين أن عروبتنا تستطيع أن تسكن وطناً مستقلاً، وأن التضامن مع فلسطين لا يمنح فصائلها وكالةً عن اللبنانيين. لا أعرف ماذا كان سيصنع لو عاش. أعرف أن فرصة نجاة قُتلت معه، كما قُتلت فرصاً أخرى مع رفيق الحريري وبيار أمين الجميل وسواهما من الشهداء. كان يمكن أن يختلف هؤلاء، وأن نختلف معهم، تحت سقف دولة تحمي المختلفين من الاغتيال. وربما كان "حلم البشير" سيجد، به أو بغيره، طريقاً إلى التحقّق. أدرك اليوم أن إنصاف خصم قديم يحتاج إلى شجاعة تفوق شجاعة مواصلة هجائه. فالأفكار التي لم تنقذ أصحابها من الكارثة تستحقّ المساءلة، والضحايا يستحقّون أكثر من وفائنا للأخطاء التي ساهمت في مأساتهم. أخيراً، علّنا نمنح الأحياء فرصة المصالحة التي نُحسن منحها للموتى. ولعلّنا نقرأ فعلياً ما فاتنا في زمن البندقية، كي نتقدم في اتجاه بديل من أجل لبنان.