دخل التوتر بين إسرائيل وكل من بريطانيا وفرنسا مرحلة أكثر حدّة، على خلفية تحركات أوروبية لفرض عقوبات مرتبطة بالمستوطنات في الضفة الغربية، فيما تتصاعد داخل إسرائيل دعوات للرد بخطوات مضادة تشمل توسيع البناء الاستيطاني، إعادة النظر في أوجه التعاون مع الدول المشاركة في العقوبات، وصولًا إلى المطالبة بالتقدم نحو فرض السيادة وإلغاء اتفاقات أوسلو. وبحسب مقال للصحافي شي ألون في صحيفة "معاريف" الإسرائيلية، اعتبر أن في المشهد الحالي "مفارقة كبيرة"، إذ إن بريطانيا وفرنسا، اللتين رسمتا على مدى أجيال حدودًا وحكمتا مستعمرات وقررتا مصائر شعوب أخرى، تقودان اليوم حملة عقوبات ضد إسرائيل والاستيطان في الضفة الغربية، وتحاولان، بحسب تعبيره، "أن تشرحا لليهود أين يُسمح لهم بالبناء في بلادهم". وعاد ألون إلى عام 1939، مشيرًا إلى أن بريطانيا نشرت حينها "الكتاب الأبيض"، في الوقت الذي كانت فيه الكارثة الكبرى في تاريخ الشعب اليهودي تتشكل، وفرضت قيودًا كبيرة على الهجرة اليهودية إلى فلسطين وعلى شراء الأراضي فيها. وأضاف أنه بعد مرور نحو 90 عامًا، وانتهاء الانتداب البريطاني وتحول إسرائيل إلى "دولة قوية وذات سيادة"، لا يزال هناك، بحسب وصفه، من يتصرف في لندن كما لو كان يملك حق منح إسرائيل تصاريح للبناء والاستيطان. وأشار المقال إلى أن بريطانيا لا تزال تسيطر حتى اليوم على 14 إقليمًا وراء البحار، بينها جزر فوكلاند وجبل طارق، فيما تحتفظ فرنسا أيضًا بأقاليم بعيدة عن حدود أوروبا، من غويانا الفرنسية إلى كاليدونيا الجديدة وبولينيزيا الفرنسية. ورأى ألون أن الفارق، من وجهة نظره، يكمن في أن هذه المناطق بالنسبة إلى لندن وباريس هي أقاليم بعيدة تُحتفظ بها لأسباب سياسية واستراتيجية، في حين أن الضفة الغربية ليست، بحسب طرحه، "مستعمرة ما وراء البحار"، بل منطقة يعتبرها جزءًا من "أرض الآباء" التي تشكل فيها تاريخ الشعب اليهودي. كما دعا فرنسا إلى تذكّر تاريخ علاقاتها مع إسرائيل، مشيرًا إلى أنها كانت في السنوات الأولى لقيام إسرائيل واحدة من أهم حلفائها الأمنيين. وأضاف أن الرئيس الفرنسي شارل ديغول فرض عشية حرب الأيام الـ6 حظرًا على الأسلحة، قبل أن تمنع فرنسا لاحقًا تزويد إسرائيل بـ50 طائرة "ميراج 5" كانت قد طلبتها ودفعت ثمنها مسبقًا. واعتبر أن الدرس المستخلص من ذلك هو أنه لا ينبغي لإسرائيل أن تضع أمنها ومستقبلها في أيدي القوى الكبرى، حتى عندما تكون هذه القوى حليفة لها. ورأى المقال أن لندن وباريس والدول التي انضمت إليهما تعود اليوم إلى ما وصفه بـ"النهج الأبوي"، في وقت تواجه فيه أوروبا نفسها ارتفاعًا حادًا في معاداة السامية وتطرفًا إسلاميًا. وأضاف أن الحكومات التي تواجه صعوبة، بحسب تعبيره، في ضمان قدرة اليهود على السير بأمان في شوارعها، يفترض أن تتحلى بمزيد من التواضع قبل توجيه "المواعظ الأخلاقية" إلى إسرائيل. وفي هذا السياق، أشاد ألون بموقف وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، معتبرًا أنه أحسن عندما أوضح أن إسرائيل لن تكتفي هذه المرة بالإدانة. وأشار إلى إغلاق القنصلية البريطانية في القدس، ووقف مشاركة بريطانيا في تدريب قوات السلطة الفلسطينية، إلى جانب إجراءات إضافية، معتبرًا أن هذه الخطوات تشكل تغييرًا مهمًا في المعادلة. لكنه دعا إلى عدم التوقف عند هذا الحد، وطالب الحكومة الإسرائيلية بتوسيع سياسة الرد بالمثل لتشمل جميع الدول التي شاركت في هذه الخطوات. كما دعا إلى إعادة النظر في استمرار التعاون معها في مجالات التكنولوجيا والطب والزراعة والمياه والصناعات الدفاعية. وقال إن هذه الدول لا يمكنها، من وجهة نظره، الاستفادة من المعرفة والابتكار الإسرائيليين، وفي الوقت نفسه العمل على مقاطعة مواطنين إسرائيليين. أما الرد الأكثر أهمية، وفق المقال، فيجب أن يكون في الضفة الغربية، عبر تسريع البناء، وتوسيع المستوطنات، والتقدم نحو فرض السيادة، وقبل كل ذلك إلغاء اتفاقات أوسلو. وخلص ألون إلى أن ساعر وضع، برأيه، المبدأ الصحيح، ومفاده أن أي تحرك ضد إسرائيل يجب أن يقابله تحرك إسرائيلي، داعيًا الحكومة إلى تحويل هذا المبدأ من موقف سياسي إلى سياسة فعلية. وبذلك، يعكس المقال انتقال السجال الإسرائيلي مع العواصم الأوروبية من مستوى الاعتراض الدبلوماسي إلى دعوات لردود سياسية واقتصادية وميدانية أوسع، في ظل تصاعد المواجهة حول مستقبل المستوطنات وحدود الدور الأوروبي في الضغط على إسرائيل.