لم يكن التصفيق الذي ملأ "بلينيتود أرينا" في نانتير، غرب باريس، مساء السبت، تصفيقاً لحفلة موسيقية عادية. كان أشبه باستقبال امرأة عائدة من مكانٍ وزمانٍ بعيدَيْن، بعدما ظلّ السؤال معلّقاً لسنوات: هل تستطيع سيلين ديون أن تغنّي مجدداً؟ لا أغنية واحدة في مناسبة استثنائية، بل حفلة كاملة، بصوتها وجسدها وذاكرتها، أمام جمهور انتظرها طويلاً. وما إن بدأت أغنية "On ne change pas" حتى سبقتها دموعها. توقّفت للحظة، وضغطت كفّيها كمن يصلّي، قبل أن تقول لجمهورها: "وعدت نفسي بألّا أبكي". لكنّ الأمسية كلّها كانت أكبر من أن تمرّ بلا دموع، بالنسبة إليها وإلى نحو 30 ألف متفرّج جاء بعضهم من أماكن بعيدة ليشهد عودةً لم يكن كثيرون واثقين من حصولها. "أنا بخير". بثلاث كلمات، خاطبت ديون الجمهور الذي وقف طويلاً لتحيّتها. لم تكن العبارة تقريراً طبياً بقدر ما بدت إعلاناً عن عودتها: أنا هنا، بعد أن روّضت المرض. من حفلة سيلين ديون في باريس. (صفحة سيلين ديون على إنستغرام) فالفنانة الكندية، البالغة 58 عاماً، لم تقدّم حفلة كاملة منذ 8 آذار /مارس 2020. وبعد تشخيص إصابتها عام 2022 بـ"متلازمة الشخص المتيبّس"، وهي اضطراب عصبي نادر يسبّب تصلّب العضلات وتشنّجات مؤلمة ويمكن أن يؤثر في عضلات الحنجرة، ألغت ما تبقّى من جولتها العالمية وابتعدت عن المسارح. كان المرض قد مسّ الأداة التي بنت بها حياتها كلّها: الصوت. وفي فيلمها الوثائقي "أنا: سيلين ديون" (I Am: Celine Dion)، لم تخفِ قسوة النوبات التي عاشتها ولا خوفها من ألّا تتمكّن من الغناء بالطريقة التي عرفها بها العالم. لذلك، لم يكن التحدي في باريس بلوغ النغمات العالية فحسب، بل في الصمود طوال أمسية كاملة، ثم الاستعداد لتكرارها ضمن برنامج يتضمّن 16 حفلة خلال خمسة أسابيع. سبق لديون أن فاجأت العالم في افتتاح أولمبياد باريس عام 2024، حينما ظهرت من برج إيفل وغنّت “Hymne à l’amour” لإديث بياف. كانت لحظة خاطفة، استغرقت دقائق قليلة وبدت يومها أشبه بقيامة فنية! ثم ظهرت لاحقاً في عرض المصمم اللبناني العالمي إيلي صعب في الرياض.لكنّ حفلة باريس الأخيرة حملت معنى مختلفاً. هذه المرّة، لم يكن عليها أن تواجه أغنية واحدة فقط، بل أكثر من ساعتين من الغناء أمام جمهور كامل. تنقّلت بين أعمالها الفرنسية والإنكليزية، من "The Power of Love" و"My Heart Will Go On" إلى "Pour que tu m’aimes encore"، وصولاً إلى "All by Myself"، الأغنية التي ظلّت لعقود أحد أصعب اختبارات صوتها. وحينما بلغت نغمتها العالية في الختام، التفتت إلى الفرقة الموسيقية بنظرة بدت كأنها لا تصدّق تماماً ما أنجزته. وفي تلك اللحظة، لم يكن الجمهور يحتفل ببراعة صوتية فحسب، بل بانتصار صغير على الخوف الذي رافقها منذ مرضها. بين سيلين وباريس: تاريخ من الموسيقى والليالي التاريخية لم تكن باريس يوماً مجرّد محطة في مسيرة سيلين ديون. علاقتها بالعاصمة الفرنسية بدأت باكراً، عندما وقفت عام 1984 على مسرح "الأولمبيا" لخمسة أسابيع في افتتاح حفلات باتريك سيباستيان، قبل أن تعود إليه نجمةً في أيلول 1994 وتسجّل حفلاتها التي صدرت لاحقاً في ألبوم "À l’Olympia". وبين هاتين المحطتين، تحوّلت المغنية الكندية الآتية من كيبيك إلى أحد أبرز الأصوات المحبوبة لدى الجمهور الفرنسي، وخصوصاً مع تعاونها مع جان جاك غولدمان في ألبوم "D’eux" عام 1995، الذي أصبح الألبوم الفرنسي اللغة الأكثر مبيعاً في التاريخ. في 1999، بلغت هذه العلاقة ذروتها حين غنّت ليلتين مكتملتي العدد في "Stade de France"، أمام نحو 180 ألف شخص بالمجموع. وبعد ربع قرن تقريباً، اختارت باريس مجدداً لتكون مسرح إحدى أكثر لحظاتها تأثيراً: عودتها إلى الغناء في افتتاح أولمبياد 2024، عندما ظهرت من برج إيفل وأدّت "Hymne à l’amour" لإديث بياف. لذلك، حين تعود ديون اليوم إلى جمهور باريس، تبدو العودة أبعد من حفل جديد. إنها رجوع إلى مدينة واكبت انتقالها من صوت فرنكوفوني شاب إلى نجمة عالمية، وظلّت حاضرة عند محطات مفصلية من مسيرتها. لم تعد سيلين ديون لتوهم جمهورها بأن السنوات لم تمرّ، أو بأن المرض لم يترك أثره. أُعيد توزيع بعض الأغنيات بما يلائم طبقات صوتها اليوم، وظهر في أدائها قدر أكبر من الحذر. لكنّ هذه التغيّرات لم تنتقص من قيمة العودة، بل منحتها صدقها. فالصوت الذي ملأ القاعة لم يكن نسخةً محفوظة من سيلين التسعينيات، بل صوت امرأة تعلّمت أن تفاوض جسدها على كل نغمة، وأن تجعل هشاشتها جزءاً من الأداء بدلاً من إخفائها. وهنا تكمن أهمية عودتها: لم تقدّم المرض كفصل انتهى، بل كواقع تعيش معه وتصرّ، رغم حضوره، على استعادة المساحة التي كادت أن تخسرها. وتفتتح هذه الأمسية سلسلة من 16 حفلة تقيمها ديون قرب باريس حتى 17 تشرين الأول/أكتوبر، على أن تعود إلى القاعة نفسها في أيار