في دير القمر، البلدة التي تحمل في حجارتها ذاكرةً وجمالًا وهدوءًا، كُسر الصمت هذه المرة بأنين كلبين لا يملكان القدرة على الشكوى، ولا يعرفان إلى أي باب يلجآن طلبًا للرحمة. حادثتان منفصلتان، لكن الوجع واحد. في الأولى، شاهد أحد سكان البلدة عند الساعة 6:30 من مساء أمس الأحد شابين يستقلان دراجة نارية ويجرّان خلفهما كلبًا مربوطًا بسلك كهربائي، حتى وصلا إلى محيط المقابر. كان الكلب يُسحب على الطريق عاجزًا عن حماية جسده. قوائمه مجروحة، والدماء تركت أثرًا خلفه، كأنها رسالة استغاثة من مخلوق لا يستطيع الكلام. شاءت المصادفة أن يلتقي عدد من الأهالي بالشابين، فاعترضوهما وأوقفوا المشهد قبل أن تكون نهايته أكثر قسوة. لكن إنقاذ الكلب في تلك اللحظة لا يمحو ما تعرّض له، ولا يُسقط السؤال الأشد إيلامًا: ما الذي يدفع إنسانًا إلى استخدام قوته لإيذاء كائن ضعيف لا يملك وسيلة للدفاع عن نفسه؟ هوية الشابين، بحسب أحد سكان البلدة، معروفة لدى الأهالي، وقد أُبلغ أحد أعضاء المجلس البلدي بالحادثة، فيما أبدى شهود استعدادهم لتقديم الأسماء إلى الجهات المختصة، مطالبين بألّا تمر القضية مرور الكرام. ولم تكن هذه الواقعة الوحيدة. ففي حادثة أخرى، نشرت إحدى سكان دير القمر تسجيلًا التقطته كاميرا مراقبة، قالت إنه يوثّق إقدام أشخاص يقيمون في منزل مستأجر داخل البلدة على ضرب كلب وتعذيبه. صورتان تختصران مأساة تتكرر بعيدًا عن الأنظار: حيوان يُجرّ على الطريق، وآخر يتلقى الضرب داخل منزل. وبينهما صمت قد يتحول، إن لم يُكسر، إلى شريك في الأذى. المطلوب اليوم ليس الاستنكار العابر، بل متابعة جدية تقود إلى كشف ملابسات الحادثتين ومحاسبة المسؤولين عنهما ومنع تكرارهما. فالسكوت عن تعذيب حيوان يمنح المعتدي شعورًا بأن فعلته بلا ثمن، ويترك الباب مفتوحًا أمام مزيد من القسوة. لقد تحرّك بعض أبناء دير القمر ورفضوا أن يكونوا شهودًا صامتين، وأنقذوا كلبًا من طريق كانت تلطخها دماؤه. ويبقى الدور الآن على البلدية والجهات المختصة، كي تثبت أن حياة الحيوانات ليست مباحة، وأن الضعيف في هذه البلدة ليس متروكًا لمصيره. فالكلب لا يستطيع أن يروي ما حدث له، ولا أن يطالب بحقه، لكن جراحه تتكلم. والسؤال الذي يجب أن يسمعه الجميع هو: إذا لم نرحم مخلوقًا عاجزًا يستغيث بصمت، فما الذي يبقى من إنسانيتنا؟