رفعت بولندا مستوى خطابها تجاه موسكو إلى سقف غير مسبوق، بعدما أعلن وزير الخارجية ونائب رئيس الوزراء البولندي رادوسلاف سيكورسكي أن روسيا لا تملك فرصة حقيقية في مواجهة دول حلف شمال الأطلسي، معتبرًا أن الغرب قادر، في حال اندلاع مواجهة مباشرة، على توجيه ضربة قاسية إلى قدراتها خلال أسابيع، في وقت تواصل وارسو بناء واحد من أكبر الجيوش البرية في أوروبا. وبحسب تقرير للصحافي إيلي ليئون في صحيفة "معاريف" الإسرائيلية، قدّم سيكورسكي مساء الأحد قراءة شديدة اللهجة لموقع روسيا بعد الحرب في أوكرانيا، معتبرًا أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين فشل في إعادة موسكو إلى موقع القوة العظمى، وأن الحرب أضعفت روسيا وعمّقت اعتمادها على الصين وأظهرت حدود قدرتها على مواجهة دول "الناتو" في حال نشوب صدام مباشر. وقال سيكورسكي: "كان بوتين يتخيّل حقًا أنه سيتمكن من إلغاء انهيار الاتحاد السوفياتي وجعل روسيا قوة عظمى من جديد، جزءًا من ثلاثية تحكم العالم، يالطا ثانية. أعتقد أنه يدرك الآن أن هذا غير قابل للتحقيق". وأضاف أن موازين القوى الاقتصادية والعسكرية في أوروبا لا تترك لموسكو فرصة حقيقية أمام دول الحلف. ولتوضيح موقفه، استشهد سيكورسكي بدول مجلس بحر البلطيق، وقال: "مجلس دول بحر البلطيق، حتى من دون بقية أوروبا ومن دون الناتو، يملك ناتجًا اقتصاديًا أكبر من روسيا، وميزانية دفاع في زمن السلم أكبر من ميزانية الحرب الروسية". وتابع: "روسيا لا تملك أي فرصة لهزيمتنا". وفي مقابلة أخرى نُشرت اليوم في صحيفة "تايمز"، اتهم وزير الخارجية البولندي موسكو بممارسة ما وصفه بـ"إرهاب دولة" ضد دول الغرب، من خلال عمليات تخريب واغتيالات وأنشطة تهدف إلى اختبار مدى صلابة دول "الناتو". وقال سيكورسكي إن روسيا حاولت تفجير قطار ركاب في بولندا، وإن كارثة مُنعت فقط بسبب فشل منفذي العملية، معتبرًا أن موسكو تنفذ عمليات عدائية تبقى تحت عتبة الغزو المباشر، بهدف زعزعة الإحساس بالأمن داخل أوروبا. ودعا سيكورسكي حلف شمال الأطلسي إلى تغيير طبيعة الردع في مواجهة موسكو واعتماد ضغط عسكري غير مباشر أكثر حدة. وقال: "علينا في الناتو أن نتدرّب بشكل عدواني إلى درجة تجعل بوتين غير متأكد مما سنفعله". وأضاف: "عليه أن يسحب قوات من أوكرانيا". وخلال مؤتمر "استراتيجية يالطا الأوروبية" في كييف، تطرق سيكورسكي بصورة خاصة إلى منطقة كالينينغراد، الجيب الروسي الواقع بين بولندا وليتوانيا، واقترح إجراء مناورات واسعة النطاق في محيطها. وأوضح أنه لا يقترح احتلال المنطقة، بل خلق حالة من عدم اليقين تدفع الكرملين إلى نقل قوات إليها من الوحدات الموجودة حاليًا على الجبهة الأوكرانية. كما أعرب الوزير البولندي عن ثقته بالتفوق العسكري الغربي في حال هاجمت روسيا حلف "الناتو"، معتبرًا أن إزالة القيود في مواجهة مباشرة ستسمح بهزيمتها بسرعة. وأشار في هذا السياق إلى الأضرار الكبيرة التي ألحقتها أوكرانيا بمصافي النفط الروسية، فيما تفيد تقديرات مختلفة بأن الهجمات عطلت جزءًا كبيرًا من قدرات التكرير الروسية، رغم وجود فروقات واسعة بين التقديرات المتداولة. وقال سيكورسكي: "إذا هاجمتنا روسيا وخلعنا القفازات، فأعتقد أننا سنهزم روسيا بسرعة إلى حد ما. لدينا تفوق ساحق على روسيا في القوة الجوية". وأضاف: "إذا كان الأوكرانيون قد عطّلوا نصف قدرة التكرير الروسية خلال 6 أشهر، فيمكننا أن نفعل ذلك خلال 6 أسابيع ونعطّل النصف الآخر". وخصص سيكورسكي جزءًا مهمًا من مواقفه للعلاقة المتنامية بين موسكو وبكين، معتبرًا أن روسيا تتجه إلى موقع أكثر ضعفًا في هذه العلاقة. وقال: "الصين تستولي على السوق الروسية. روسيا ستصبح شريكًا صغيرًا جدًا جدًا للصين. لو كنت قوميًّا روسيًّا لكنت مصدومًا من ذلك". وكان سيكورسكي قد قال في مقابلة أجريت معه في تموز الماضي إن روسيا لا تستطيع مواصلة الحرب، ولا يمكنها حتى البقاء كدولة بصيغتها الحالية من دون التجارة مع الصين. وأضاف حينها أن بكين تملك أقوى ورقة ضغط على بوتين، لأنها قادرة على التهديد بتقليص التجارة، إلا أنه يرى أن الحرب تخدم المصالح الصينية. وقال: "روسيا، مع مرور كل عام، تصبح أكثر اعتمادًا. وما الذي لا تحبه الصين في ذلك؟". وخلال زيارة أجراها إلى لاتفيا الأسبوع الماضي، حذّر سيكورسكي من أن روسيا لم تغيّر أهدافها في الحرب، ولا تزال ترفض مقترحات وقف إطلاق النار. وقال إن بوتين لا يزال يعتقد أن لديه "ورقتين"، تتمثل الأولى في إمكان تنفيذ تعبئة إضافية، والثانية في الأمل بأن يؤدي شتاء قاسٍ إلى إضعاف أوكرانيا. ودعا سيكورسكي الدول الأوروبية إلى مواصلة دعم كييف وزيادة الإنفاق الدفاعي، معتبرًا أن ردع الكرملين لا يتحقق من خلال التنازلات، بل عبر إظهار القوة والاستعداد للتحرك. وتأتي هذه المواقف في وقت تنفذ فيه بولندا خلال السنوات ال