تدخل الساحة الحريدية في إسرائيل مرحلة من إعادة التموضع قد لا تبقى محصورة داخل "يهدوت هتوراه"، بعدما أفرزت التحولات الأخيرة داخل الحزب موازين قوى جديدة، فيما يتصاعد غضب شخصيات بارزة من بنيامين نتنياهو وسط حديث عن استعدادها للانفتاح على المعارضة والانتقام منه سياسيًا. وبحسب تقرير للصحافي ماتي توخفيلد في صحيفة "معاريف" الإسرائيلية، كانت "يهدوت هتوراه" من آخر الأحزاب التي قدمت قائمة مرشحيها إلى لجنة الانتخابات المركزية، وفي الوقت الذي انصب فيه التركيز على الأحزاب الكبرى والكتل السياسية، مرت داخل الحزب الحريدي الأشكنازي تحولات وصفها التقرير بأنها من الأهم في تاريخه، وكل ذلك خلال أسبوع واحد فقط. وبدأت التطورات بالإطاحة المفاجئة برئيس "ديغل هتوراه" موشيه غافني وعضو الكنيست أوري ماكليف، ثم بإزاحة يسرائيل آيخلر بقرار من الحاخام الأكبر لطائفة بيلز واستبداله بمرشح آخر عنها، لتنتهي بتأسيس حزب جديد ثالث إلى جانب "ديغل هتوراه" و"أغودات يسرائيل"، يضم ممثلي بيلز و"شلومي إيمونيم" بزعامة مئير بوروش. لكن التقرير أشار إلى أن التحولات الأهم لا تكمن في الأسماء وحدها، بل في نتائج اتفاق التحكيم الذي جرى بين طائفتي فيزنيتس وبيلز بشأن مواقع المرشحين على القائمة. وبحسب نتائج التحكيم، من المفترض أن تنتقل طائفة فيزنيتس للمرة الأولى إلى المرتبة 8 على القائمة، فيما تتقدم بيلز إلى المرتبة 6، في تبدل للمواقع بعدما كان الترتيب معكوسًا طوال سنوات. وتُعد المرتبة 8، وفق التقرير، غير مضمونة انتخابيًا. فـ"يهدوت هتوراه" تملك حاليًا 7 مقاعد، ورغم أن النمو الديموغرافي الطبيعي كان يُفترض أن يمنحها مقعدًا إضافيًا بعد 4 سنوات، فإن التقرير أشار إلى وجود قوى كبيرة تعمل على إبقائها عند حدود 7 مقاعد. وعدد التقرير من بين هذه العوامل منظمات يسارية قال إنها تعمل على تأجيج الخلافات داخل المجتمع الحريدي، إضافة إلى الجهاز القضائي الذي اعتبر أنه يثير حالة من الفوضى عبر الاعتقالات وإجراءات إنفاذ القانون التي تولّد اليأس في أوساط الجمهور، إلى جانب 4 أحزاب حريدية جديدة ستحاول اقتطاع أصوات من الأحزاب القائمة. وفي حال أنهت "يهدوت هتوراه" الانتخابات عند 7 مقاعد، فإن ممثل فيزنيتس سيبقى خارج الكنيست، ما يعني أن يتسحاق غولدكنوبف وموتي بابشيك، الممثلين للحاخام الأكبر لطائفة غور، سيبقيان عمليًا مع غولدكنوبف ممثلًا وحيدًا داخل الكتلة. ورغم أنه سيبقى رئيس الحزب، فإنه سيكون من دون أي نائب إلى جانبه، أي أقرب إلى معارضة داخل كتلته نفسها. ويضيف التقرير أن غولدكنوبف وبابشيك يدخلان الانتخابات وهما يحملان رغبة واضحة في الانتقام من نتنياهو، ولا يخفيان رغبتهما في التواصل مع شخصيات من المعارضة، وفي مقدمتها غادي آيزنكوت. ولا يرتبط ذلك فقط بعدم تمرير قانون التجنيد، إذ إنهما كانا قد عارضا القانون أصلًا في مرحلة مبكرة، بل يعود، وفق التقرير، إلى نجاح نتنياهو في تفكيك مجلس كبار علماء التوراة وكسر هيمنة الحاخام الأكبر لطائفة غور. ويشير التقرير إلى أن طائفة غور قد تكون الأكبر في إسرائيل، لكنها لم تعد الأكثر تأثيرًا، إذ لم تعد "ديغل هتوراه" الليتوانية تأخذها في الحسبان، وكذلك "شلومي إيمونيم" التي انفصلت عنها منذ فترة طويلة وأسست صحيفة منافسة، وها هي الآن تقيم حزبًا خاصًا بها. أما الطرف الوحيد الذي سار إلى جانب غور، وهو ممثل الحاخام الأكبر لطائفة فيزنيتس، فقد جرى دفعه إلى مرتبة متأخرة في القائمة. ويخلص التقرير إلى أن ما يجري ليس مجرد تغيير في الأسماء داخل الكتلة الحريدية، بل تبدل في موازين القوى السياسية داخلها، مع تداعيات قد تتجاوز "يهدوت هتوراه" وتصل إلى النظام السياسي الإسرائيلي برمته، خصوصًا إذا تحولت رغبة بعض حلفاء نتنياهو السابقين في الانتقام منه إلى خيارات انتخابية وتحالفات فعلية.