كشفت تفاصيل جديدة عن مواجهة حساسة دارت في أعماق البحار بين روسيا من جهة، والولايات المتحدة وبريطانيا والنرويج من جهة أخرى، بعدما رصدت دول غربية محاولة روسية لاختبار تكنولوجيا عسكرية غامضة يُشتبه في أنها صُممت لاستهداف كابلات بحرية تُعدّ من أكثر البنى التحتية حيوية للاتصالات والبيانات في أوروبا والعالم. وبحسب تقرير للصحافي أرنون شفارتسمان في موقع "mako" الإسرائيلي، استنادًا إلى ما كشفته وكالة "رويترز"، أفاد مسؤولان غربيان بأن الولايات المتحدة وبريطانيا والنرويج نفذت عملية مشتركة واجهت خلالها غواصات روسية في البحر، وأحبطت، وفق روايتهما، تجربة سرية كان الهدف منها محاكاة تعطيل كابلات حيوية تحت سطح البحر. ووفق المسؤولين، جرت العملية في مياه عميقة بين النرويج والقطب الشمالي، حيث قامت مركبات روسية تعمل تحت سطح البحر بمحاكاة نشر تكنولوجيا مصممة لاستهداف الكابلات سرًا ومن دون قيود، من دون أن تتسبب التجربة بأضرار فعلية لها. وقال وزير الدفاع النرويجي توري ساندفيك: "من خلال عمليتنا المشتركة، وجّهنا إلى روسيا رسالة واضحة مفادها أنهم لا يستطيعون العمل في الخفاء". وأضاف: "أوضحنا للسلطات الروسية بشكل لا لبس فيه أن أي محاولة لإلحاق الضرر ببنيتنا التحتية الحيوية سيتم اكتشافها وستكون لها عواقب. ليس لأحد مصلحة في تصعيد التوتر في القطب الشمالي". وتكمن حساسية هذه البنية التحتية في كون الكابلات البحرية أساسية لربط شبكة الإنترنت وتنفيذ المعاملات المالية حول العالم. وأشار التقرير إلى وجود كابلين من الألياف الضوئية يبلغ طول كل منهما 1,400 كيلومتر ويرتبطان بالنرويج، ويمران على عمق يصل إلى 2,700 متر تحت سطح البحر. وبحسب "رويترز"، تنقل هذه الكابلات كميات ضخمة من بيانات الأقمار الاصطناعية من محطة SvalSat الأرضية في سفالبارد، وهي الأكبر من نوعها في العالم، وتشكل جزءًا من شبكة Near Space Network التابعة لوكالة "ناسا". وكانت بريطانيا والنرويج قد أعلنتا في نيسان الماضي كشف نشاط روسي سري في هذه المنطقة، إلا أن "رويترز" أشارت إلى أن تفاصيل السلاح وموقع العملية وحجم المشاركة الأميركية لم تُكشف إلا الآن. ووفق المسؤولين، ركز التدريب الروسي على محاكاة نشر هذه التكنولوجيا في حال اندلاع مواجهة مع حلف شمال الأطلسي "الناتو"، فيما رفض المسؤولون تقديم تفاصيل حول آلية عمل هذا السلاح. وبالتوازي مع ذلك، تتزايد المخاوف في الغرب من تصاعد أنشطة التخريب الروسية في أوروبا، ومن احتمال أن تكون موسكو بصدد اختبار رد فعل "الناتو" استعدادًا لمواجهة أوسع. وقال 3 مسؤولين أميركيين إن عددًا من محللي الاستخبارات في الولايات المتحدة يشعرون بالقلق من احتمال أن تختبر روسيا المادة 5 من معاهدة حلف شمال الأطلسي، التي تلزم الدول الأعضاء بمساعدة أي دولة تتعرض لهجوم. وبحسب هؤلاء المسؤولين، قد يشكل استهداف الكابلات البحرية جزءًا من سيناريو من هذا النوع. في المقابل، تنفي موسكو باستمرار تنفيذها عمليات تخريب داخل دول "الناتو"، كما تنفي التخطيط لأي مواجهة مع الحلف. ولم ترد وزارة الدفاع الروسية على طلب "رويترز" للتعليق، فيما أحال "الناتو" الوكالة إلى السلطات في النرويج وبريطانيا، ولم يعلّق البيت الأبيض، بينما رفضت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية "CIA" التعليق. وبالتوازي مع المواجهة في البحر، عرض مسؤولون بريطانيون ونرويجيون أمام موسكو النتائج التي توصلوا إليها، في خطوة هدفت إلى توضيح أنهم باتوا على علم بالتكنولوجيا الروسية الجديدة. وبحسب المسؤولين الغربيين، كان الهدف من هذه الخطوة دفع روسيا إلى التردد قبل اللجوء إلى استخدام هذه التكنولوجيا مستقبلًا. ولا تُعدّ المخاوف المرتبطة بالبنى التحتية البحرية جديدة. فمنذ عام 2022، حين دُمّرت 3 من أصل 4 خطوط ضمن أنابيب "نورد ستريم" التي كانت تنقل الغاز الروسي إلى ألمانيا، كثفت الدول الأعضاء في "الناتو" جهودها لحماية الكابلات وخطوط الأنابيب الممتدة في قاع البحر. ومنذ عام 2023، سُجل أيضًا ارتفاع في عدد السفن التي تبحر ببطء فوق البنى التحتية البحرية الحساسة أو بالقرب منها، في نشاط يُعرف باسم "drifting". وبحسب شركة Windward المتخصصة في تحليل المخاطر البحرية، ارتفع هذا النوع من النشاط في بحر الشمال خلال عام 2024 بنسبة 52%، ليصل إلى 13,079 سفينة. وفي مواجهة هذه التطورات، تواصل بريطانيا والنرويج والولايات المتحدة تعزيز حضورها في المنطقة. وفي آب الماضي، نشرت بريطانيا قوات إلى جانب النرويج والولايات المتحدة في إطار تدريب هدف إلى إظهار قدرة دول "الناتو" على العمل المشترك في منطقة القطب الشمالي. كما تخطط النرويج لتشغيل كابل جديد من الألياف الضوئية بحلول عام 2028، لربط الجزر الموجودة في المنطقة بالبر الرئيسي. وبذلك، لم تعد المواجهة بين روسيا وخصومها الغر