جاءَ في كتبِ اللغةِ أنّ كلمةَ "قطوف" جمعُ "قِطف"، و"القِطفُ" هوَ ما قُطِفَ من الثمر، وهوَ العنقودُ ساعةَ يُقطَف. وبذلك، يكونُ إطلاقُ هذهِ الكلمةِ على كتابِ "قطوف على درب الحياة" للشيخ نبيل رعد اسمًا على مسمّى، ذلكَ أنَّ الكتابَ هوَ مجموعةُ ثمارٍ شهيّة، وقطوفٍ دانية، أدناها الشيخُ بعدَ أن كانَتْ قاصية، وجعلَها في متناولِ العينِ واليدِ والقلب، فإذا بنا إزاءَ "سلّةِ فاكهة"، على حدِّ عنوانِ رابندرانات طاغور، تزخرُ بالشهيِّ من الثمار، وتُغري بالنظرِ والقطفِ والأكل. والأكلُ، بهذا المعنى، هوَ نوعٌ من العبادة، على حدِّ تعبيرِ المؤلّفِ الذي اجتهدَ فأصاب، وكانَ لهُ أجرا المجتهدِ والمصيب. وإذا كانَتِ القطوفُ في الطبيعةِ نتاجَ التفاعلِ بينَ الماءِ والترابِ والهواءِ والضوءِ والجذور، وتمرُّ بمراحلَ عدَّةٍ لِتُؤْتِيَ أُكُلَها، بدءًا من التلقيحِ والإخصاب، مرورًا بالعقدِ والإزهار، وانتهاءً بالنضجِ والإثمار، فإنّها في الكتابِ نتاجُ التفاعلِ بينَ تجربةِ الكاتبِ وثقافتِهِ وتأمُّلِهِ في أحوالِ الإنسانِ والكون، وتمرُّ بمراحلِ التجميعِ والتدوينِ والتصنيفِ والتأليفِ والتحليلِ والربطِ والمقارنةِ والاستنتاج، وقدْ راحَ يقطفُها، طيلةَ عشرِ سنوات، من بساتينَ مختلفة، كتابيّةٍ كالقرآنِ الكريمِ والحديثِ النبويِّ وكلامِ الأولياءِ والشعرِ العربي، وشفاهيّةٍ كالمأثوراتِ الشعبيةِ والأمثالِ السائرة، وعمليّةٍ كمسالكِ الأجاويدِ وسِيَرِ الصالحين. وهكذا، تتعدّدُ البساتين، وتتنوّعُ الثمار، وتختلفُ الطيّبات. والشيخ نبيل بستانيٌّ محترف، بالمعنيَيْنِ الحقيقيِّ والمجازيِّ للكلمة. ولعلّي لا أجانبُ الصواب، إذا ما رأيْتُ أنّ المكتوبَ، في غالبيّتِهِ، هوَ ممّا عاشَهُ الكاتبُ وخبرَهُ بنفسِهِ، وليسَ نُطْقًا عن الهوى. وهذا ما يمنحُ الكتابَ قيمتَهُ الحقيقيّة. ولعلَّ صدورَهُ، في هذهِ اللحظةِ التاريخيّةِ الحرجة، التي يُحاولُ فيها بعضُهُمْ تغريبَنا عن تاريخِنا، وعزلَنا عن محيطِنا الطبيعي، من جهة، وتدمنُ فيها ناشئتُنا وسائل التواصل الاجتماعي، على علاّتِها، من جهةٍ ثانية، يُشكّلُ قيمةً مضافةً لَه. ذلكَ أنّهُ، بِمَتْحِهِ منَ الينابيعِ العربيّةِ الإسلاميّة، قرآنًا وحديثًا وسيرة، وبِغَوْصِهِ على أغوارِ النفسِ البشريّة، قدْ يُسهمُ في وضعِ الأمورِ في نصابِها، وعودةِ المياهِ إلى مجاريها. وبعدْ، لعلَّ قيمةَ أيِّ كتابٍ تكمنُ في مدى التكاملِ بينَ ماهيّةِ المكتوبِ وكيفيّةِ الكتابة، وهوَ ما يتحقّقُ في قطوفِ الشيخ نبيل، في إطارِ التنوّعِ ضمنَ الوحدة، ذلكَ أنّنا إزاءَ تنوّع، في الشكلِ والمضمون، يجعلُ عمليّةَ القراءةِ محفوفةً بالمتعةِ والفائدة. وفي جميعِ الأحوال، لنْ يعودَ قارئُ "القطوفِ" من الغنيمةِ بالإياب. في ماهيّةِ المكتوب، نقعُ على مروحةٍ واسعةٍ من العناوين، تبلُغُ ستّةً وسبعينَ عنوانًا، تتوزّعُ على ستّة أبواب. على أنَّ العنوانَ الواحدَ قدْ يَرِدُ في غيرِ صيغة، سواءٌ في البابِ الواحدِ أو في غيرِ باب، ما يجعلُ بعضَ الأفكارِ تتكرّرُ بصيغٍ مختلفة، وهذا التكرارُ هوَ من النوعِ المفيدِ الذي لا يُفْسِدُ في الفائدةِ قضيّة. والمُفارِقُ أنَّ العناوينَ المختلفةَ تتمتّعُ بنوعٍ من الاستقلالِ النسبيِّ في الكتاب، فقراءةُ العنوانِ الواحدِ ليسَتْ محكومةً بالسابقِ لَهُ ولا باللاحقِ به. وبوسعِ القارئِ أن يدخلَ إلى الكتابِ من حيثُ شاء، فجميعُ الدروبِ تُفْضي إلى المطحنةِ نفسِها. وعلى تنوّعِ العناوينِ وتَعَدُّدِها، فإنّها، بمعظمِها، تندرجُ تحتَ ثنائيّةِ الإيمانِ / السلوكِ الرئيسيّةِ التي تتفرّعُ منها ثنائيّات: القولِ / الفعل، المخبرِ / المظهر، الدينِ / الدنيا، الظاهرِ / الباطن، وغيرِها. وهذهِ الثنائيّاتُ تتكاملُ فيما بينَها، داخلَ الشخصيّةِ المؤمنة، فتتصالحُ مع نفسِها والمخلوقين، في الإطارِ الإنساني، وَتَنْعَمُ بممارسةِ العبوديّةِ للخالق، في الإطار الإلهي. وعليه، تتموضعُ عناوينُ الكتابِ ومتونُهُ بينَ أدبيّاتِ الإيمان، من جهة، وآدابِ السلوك، من جهةٍ ثانية. وتشي بوجودِ تلازمٍ بينَ إيمانِ المؤمنِ وسلوكِه، فلا قيمةَ لأحدِهِما بمعزلٍ عنِ الآخر، وِفْقَ ما يستخلصُهُ المؤلّفُ من كشوفاتِهِ المعرفيّة. في أدبيّاتِ الإيمان، يتناولُ الشيخُ المفهومَ في: تعريفِه، ومداهُ الزمني، ومقتضياتِه، وأنواعِه، وتعالقاتِه؛ فيعرّفُهُ بأنَّهُ "عقيدةٌ ووعيٌ والتزامٌ ومعاملةٌ وعمل" (ص 41)، . ويجعلُ مداهُ العمرَ كلَّه. ويُوْرِدُ في مقتضياتِه: التقوى، وقولَ الحق، ومخاصمةَ الظالم، ونصرةَ المظلوم. ويذكرُ في أنواعِه: اللفظيَّ الذي "تُزعزعُهُ أبسطُ صدمةٍ في الحياة"، والصحيحَ الذي يظهرُ في المواقفِ الصعبةِ "صبرًا وتَعَقُّلًا وثباتًا ووِقارًا" (ص 60)، والواعيَ المنفتحَ الذي "يجعلُ الإنسانَ يستشعرُ وجودَ اللهِ في كلِّ حياتِه" (ص 51)، والعمليَّ الذي ي