لم تظهر في دبي حتى الآن مفاعيل التحذيرات الأميركية بإطلاق "يوم القيامة الاقتصادي" ضد إيران، إذ تواصل المصارف والشركات الإيرانية نشاطها علناً، رغم إعلان الإمارات وقف تجارتها وتعاملاتها المالية مع طهران. وبحسب تقرير للصحافي عمر عبد الباقي في صحيفة "وول ستريت جورنال"، بقيت المصارف الإيرانية المنتشرة في المدينة مفتوحة، ومن بينها "بنك ملي"، الذي يواصل فرعه في ديرة استقبال العملاء رغم مطالبة وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت بإغلاق جميع فروعه. ويعمل المصرف في الإمارات منذ عام 1969، قبل قيام الدولة، ويمتلك فرعين في دبي. وقال موظفوه إنهم لم يتلقوا إشعاراً بالإغلاق وسيواصلون العمل حتى صدوره، فيما بدأ إيرانيون التحضير لاستخدام نظام "الحوالة" التقليدي بديلاً لتحويل الأموال إذا أُغلقت المصارف، لكن ذلك لم يصبح ضرورياً بعد. وأكد إيرانيون أن أوضاعهم تحسنت مقارنة ببداية الربيع، حين أغلقت الإمارات مستشفى ونادياً إيرانيين، ومنعت حاملي الجوازات الإيرانية موقتاً من دخول البلاد أو العبور عبرها، وألغت تأشيرات بعض المقيمين. ولا تبدو عمليات إلغاء التأشيرات مستمرة، وقد أُعيد منح بعضها، فيما لم تتوسع الإغلاقات إلى مؤسسات أخرى. كذلك، تواصل شركات الطيران الإيرانية تشغيل رحلات مباشرة منتظمة بين البلدين، بينما لا تسير "طيران الإمارات" و"الاتحاد للطيران" و"فلاي دبي" رحلات مباشرة إلى إيران، رغم استخدام بعض رحلاتها الأجواء الإيرانية. كما بقيت المطاعم والمقاهي الإيرانية في دبي القديمة مفتوحة، وسط مخاوف لدى العاملين فيها من خسارة وظائفهم مع تدهور الأوضاع الاقتصادية في الخليج واستمرار الحرب، فيما غادر بعضهم إلى دول أخرى. ويتناقض استمرار هذه الحركة مع إعلان الخارجية الإماراتية وقف التجارة والتبادلات التجارية والمعاملات المالية مع إيران، بعد أسابيع من الضغوط الأميركية. وكان بيسنت قد انتقد الدول التي تستقبل الرحلات الإيرانية، قائلاً: "لم يعد مقبولاً العمل في المناطق الرمادية لهذا الصراع"، ومحذراً من اتساع مخاطر العقوبات الثانوية على من يواصل التعامل مع النظام الإيراني. ولم ترد وزارتا الخزانة الأميركية والخارجية الإماراتية على طلبات التعليق، فيما أكد مسؤول في البيت الأبيض أن إدارة الرئيس دونالد ترامب تواصل العمل مع شركائها الإقليميين لخنق الاقتصاد الإيراني. لكن فصل الاقتصادين الإيراني والإماراتي يواجه روابط تاريخية ومالية عميقة. فمئات آلاف الإيرانيين يقيمون في الإمارات ويضخون مليارات الدولارات في اقتصادها، وقد استمرت هذه العلاقات رغم إطلاق إيران أكثر من 2800 مسيّرة وصاروخ باتجاه الإمارات خلال الحرب، وهو عدد يفوق ما أطلقته على أي دولة أخرى، بما فيها إسرائيل. وقال الباحث في "تشاتام هاوس" نيل كويليام إن اقتصادات الخليج متداخلة بصورة وثيقة مع الاقتصاد الإيراني، وإن قطع العلاقات بين ليلة وضحاها سيؤذي دبي. وبلغت التجارة بين الإمارات وإيران نحو 28 مليار دولار في عام 2024، وفق أحدث بيانات منظمة التجارة العالمية. وتحتل الإمارات المرتبة الثانية بعد الصين من حيث عدد الشركات والأفراد الذين فرضت عليهم الخزانة الأميركية عقوبات بسبب صلاتهم بإيران. كما كشفت دراسة لشبكة مكافحة الجرائم المالية التابعة للخزانة أن شركات مقرها دبي حركت خلال عام 2024 نحو 6.4 مليارات دولار يُحتمل ارتباطها بمنظومة "الظل المصرفية" الإيرانية، أي 71% من الإجمالي العالمي، فيما يعتقد مسؤولون أميركيون سابقون أن الرقم الفعلي أكبر. إلا أن واشنطن تمتلك مصالح استراتيجية واسعة في الإمارات، باعتبارها من أبرز الدول الموقعة على "اتفاقات أبراهام"، وشريكاً أمنياً لإسرائيل، ومصدراً للاستثمارات في الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى منحها الجيش الأميركي حقوقاً مهمة لاستخدام قواعد على أراضيها. أما دبي، التي لا تمتلك الثروة النفطية المتوافرة لدى أبوظبي، فتعتمد على التدفقات المالية، وبينها مليارات الدولارات الإيرانية. ويرى ماثيو ليفيت، المسؤول السابق في الخزانة الأميركية، أنها تشكل مركزاً أساسياً للالتفاف على العقوبات، فيما يعتقد بعض المسؤولين الإماراتيين أن إبقاء إيران متصلة بالمصارف وسلاسل التوريد قد يكون ثمناً ضرورياً للحفاظ على الهدوء. وهكذا، وبين التهديدات الأميركية والإعلانات الإماراتية، يكشف الواقع اليومي في دبي أن فك الارتباط الاقتصادي مع إيران لا يزال بعيداً عن التنفيذ.