يحمل إطلاق النسخة العربية من كتاب "المصالحة" لملك إسبانيا السابق خوان كارلوس الأول دلالة تتجاوز صدور ترجمة جديدة. فالكتاب يصل إلى القارئ العربي من أبوظبي، المدينة التي يقيم فيها صاحبه منذ عام 2020، ويستعيد منها تجربة امتدت من الطفولة خارج الوطن إلى العرش، ومن التحول الديموقراطي في إسبانيا إلى سنوات الابتعاد من الحياة العامة. وحضر خوان كارلوس الأول شخصياً حفل إطلاق النسخة العربية، الصادرة عن مشروع "كلمة" (ترجمة مبارك حسني)، في افتتاح الدورة الخامسة والثلاثين من معرض أبوظبي الدولي للكتاب. وشارك في تقديم الحفل الكاتب والمخرج الإماراتي ناصر الظاهري، فيما تحدث الملك السابق باختصار عن الدافع إلى تدوين مذكراته، مشيراً إلى رغبته في تقديم روايته لمرحلة الانتقال الديموقراطي، التي يرى أن بعض جوانبها لم تُعرض في الصحافة كما عاشها. وكان الدكتور أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، قد كتب عبر حسابه في "إنستغرام" أنه سعد بحضور حفل التدشين، شاكراً "إهداء جلالته الجميل". ووصف الكتاب بأنه قصة حياة استثنائية تحمل تجربة إنسانية وتحولات سياسية كبرى، من الولادة خارج إسبانيا، إلى ولاية العهد في مرحلة الجنرال فرانكو، وصولاً إلى التحول السياسي الذي قاد البلاد نحو الديموقراطية وتعزيز حضورها الأوروبي. يفتح عنوان الكتاب الباب أمام مستويات متعددة من القراءة. فالمصالحة قد تعني استعادة صاحب السيرة علاقته بذاكرته، أو إعادة النظر في المراحل التي صنعت صورته العامة، أو تقديم شهادته الشخصية للأجيال التي لم تعاصر التحولات الإسبانية الكبرى. ولا يقدّم الكتاب تأريخاً أكاديمياً لتلك المرحلة، بل رواية ذاتية تعبّر عن رؤية خوان كارلوس إلى حياته وقراراته. وهذه طبيعة المذكرات عموماً، إذ تمنح صاحبها فرصة لرواية الوقائع من موقع الشاهد والمشارك، مع بقاء الباب مفتوحاً أمام المؤرخين والباحثين لتقديم قراءات أخرى. الملك السابق خوان كارلوس وزوجته ولد خوان كارلوس عام 1938 في روما، وعاش طفولته بعيداً من إسبانيا التي كانت قد خرجت من حرب أهلية قاسية. وفي العاشرة، انتقل إلى بلاده بموجب تفاهم بين والده دون خوان والجنرال فرانشيسكو فرانكو، ليبدأ تعليماً وإعداداً مهّد لاحقاً لاختياره وريثاً للعرش. ويتوقف الكتاب عند أحداث شخصية تركت أثرها العميق فيه، بينها وفاة شقيقه الأصغر ألفونسو عام 1956 إثر انطلاق رصاصة في منزل العائلة بالبرتغال. ويستعيد خوان كارلوس هذه الحادثة بوصفها أحد أكثر فصول طفولته وشبابه إيلاماً. اعتلى خوان كارلوس العرش عام 1975، عقب وفاة فرانكو، في مرحلة دقيقة من تاريخ إسبانيا. ودعم مسار الانتقال السياسي، وتولّي أدولفو سواريز رئاسة الحكومة، وإجراء الانتخابات، وصولاً إلى إقرار دستور عام 1978 وتثبيت نظام الملكية البرلمانية. وجاء الاختبار الأبرز في 23 شباط/فبراير 1981، عندما اقتحم ضباط مسلحون مجلس النواب ضمن محاولة انقلابية هددت التجربة الديموقراطية الناشئة. وظهر الملك عبر التلفزيون مرتدياً الزي العسكري ليعلن تمسّكه بالدستور ورفضه الانقلاب، وهو موقف أسهم في إنهاء المحاولة ورسّخ مكانته في التاريخ الإسباني الحديث. في المقابل، أثارت الطريقة التي تناول بها علاقته بفرانكو نقاشاً داخل إسبانيا، إذ تحدّث عن تقديره لبعض صفاته ودوره في وصوله إلى العرش. وبينما يقدّم خوان كارلوس رؤيته إلى تلك العلاقة في سياق ظروفها التاريخية، قرأها آخرون من زاوية الذاكرة المرتبطة بسنوات الحكم الديكتاتوري وضحاياه. ويكشف هذا الاختلاف مدى تعقيد المرحلة التي انتقلت فيها البلاد من نظام فرانكو إلى الديموقراطية. يتناول الكتاب أيضاً علاقة الملك السابق بأفراد عائلته، ولا سيما نجله الملك فيليبي السادس والملكة صوفيا، ويعرض مشاعره حيال التحولات التي طرأت على هذه العلاقات بعد تنازله عن العرش عام 2014. كما يتطرق إلى عدد من الوقائع الشخصية والمالية التي أثارت اهتماماً إعلامياً وقضائياً، ومنها رحلة صيد الفيلة في بوتسوانا عام 2012 وقبوله هبة مالية عام 2008. ويقرّ خوان كارلوس في مذكراته بارتكاب أخطاء، مقدّماً تفسيره للظروف التي أحاطت بها ولتأثيرها في صورته العامة. ولا يخلو هذا الجانب من حساسية، إذ تتجاور فيه تجربة رجل اضطلع بدور بارز في تاريخ بلاده مع حياة شخصية كانت موضع متابعة واسعة. ومن هنا يتيح الكتاب الاطلاع على رؤية صاحبه إلى الإنجازات والقرارات الصعبة والأخطاء ضمن مسار واحد امتد عقوداً. أعدّ خوان كارلوس مذكراته بالتعاون مع الكاتبة والصحافية الفرنسية لورانس دوبريه على مدى نحو عامين. وقد تولت دوبريه تنظيم الذكريات والحوارات في بناء سردي يجمع بين التجربة الشخصية والتاريخ السياسي. ويكتسب إطلاق النسخة العربية في أبوظبي معنى خاصاً، نظراً إلى إقامة الملك السابق فيها، وإلى الدور الذي يؤديه مشروع