خلال زيارته إلى الولايات المتحدة، منتصف تموز الماضي، التقى رئيس الجمهورية جوزاف عون، في مقر السفارة اللبنانية في واشنطن، مجموعة من كبار الخبراء في مراكز أبحاث أميركية معروفة ومؤثرة، إلى جانب صحافيين ورجال أعمال ومستثمرين أميركيين. في تلك الجلسة، عرض عون ما يمكن وصفه بخطته الحقيقية لـ«بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية». وبحسب ما نُقل عن اللقاء، قدّم الرئيس مقاربة تتجاوز مسألة سلاح حزب الله بحد ذاتها، إذ اعتبر أن الجانب العسكري لا يشكل سوى ما بين 10 و20% من مجمل حضور الحزب، فيما تكمن النسبة الأكبر، أي ما بين 80 و90%، في بنيته الاجتماعية والخدماتية والمالية والتربوية والتعاونية. ومن هنا، قال عون، بحسب ما يُنقل عنه، إنه «من الضروري جدًا كسب قلوب وعقول وثقة الناس»، وإنه قبل فرض الإجراءات الحكومية ينبغي تقديم المساعدة والدعم لهؤلاء الناس. هذه العبارة تحديدًا تستحق التوقف عندها، خصوصًا عند مقارنتها بما يفعله عون اليوم في النبطية. ففي الجلسة المغلقة نفسها، أبدى الرئيس قلقه من أي تفاهم أميركي - إيراني قد يفضي إلى انفتاح مالي على طهران. ومن وجهة نظره، فإن أي انفراج مالي تستفيد منه طهران قد ينعكس إيجابًا على حزب الله ويعيد إنعاشه، بما يتناقض مع مشروع الدولة اللبنانية الرامي، وفق مقاربته، إلى إنهاء ازدواجية الدولة والسلاح. لكن ما طرحه عون أمام الأميركيين يذهب أبعد من السلاح. الرئيس، وفق هذه المقاربة، لا يرى أن مشكلة حزب الله عسكرية حصرًا، بل يعتبر أن قوته الحقيقية موجودة في البيئة التي تحتضنه وفي شبكة المؤسسات التي بناها داخلها على مدى عقود. وبالتالي، يصبح تفكيك هذه الشبكة الاجتماعية والخدماتية جزءًا أساسيًا من معركة إنهاء نفوذ الحزب، لا تفصيلًا ملحقًا بملف السلاح. بعبارة أخرى، حاول عون أن يقول للأميركيين إنه متقدم عليهم في تشخيص المشكلة، حيث أن السلاح ليس سوى جزء منها، أما جوهرها فيكمن في قدرة الحزب على الإمساك ببيئته من خلال مؤسساته الاجتماعية والمالية والتربوية والصحية. ومن هنا أيضًا، يمكن فهم ما يعتقد بأنه نجح به، أي في التأثير على الإدارة الأميركية والرئيس دونالد ترمب، ودفعهما إلى عدم منح إيران متنفسًا ماليًا يمكن أن تستفيد منه، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، مؤسسات الحزب في لبنان. وفي السياق نفسه، قال عون آنذاك، وبحسب ما نُقل عن عدد ممن حضروا اللقاء وكتبوا عنه في الإعلام الأميركي، إن الدولة استفادت من نتائج الحرب الإسرائيلية على حزب الله، وإن ما حصل ساعدها في مسعاها إلى كسر ازدواجية الدولة والسلاح. وهذا الكلام يلتقي، في جوهره، مع ما نُقل عن لقاء الرئيس بالسفير الأميركي الأسبق في لبنان ديفيد هيل، والذي كشف الأخير جزءًا منه خلال مقابلة مع قناة «كان» الإسرائيلية مؤخرًا. بل إن ما يُنقل عن لقاء هيل يذهب إلى أبعد من ذلك. فبحسب المعلومات، تحدث عون أمامه بكلام أكثر تشددًا عن حزب الله، وصل إلى حد الحديث عن مسار ينتهي بتفكيك الحزب واجتثاث نفوذه من داخل الطائفة الشيعية نفسها. وهنا، لا يعود النقاش محصورًا بالسلاح. ففكرة «الاجتثاث» تتقاطع مع توجهات أخرى ظهرت داخل الحكومة، ومن بينها ما نُقل عن وزير عدل حزب صديق عون وحليفه سامي الجميل، عادل نصار، بشأن البحث في إمكان إصدار قانون يؤدي إلى حل حزب الله باعتباره ميليشيا خارجة عن القانون، من خلال الاستناد إلى بعض بنود اتفاق الطائف، في مقاربة تستعيد، من حيث المبدأ، ما حصل مع حزب القوات اللبنانية عام 1994. ويأتي ذلك في أعقاب القرار الصادر في الرابع من آب 2026، والذي اعتبر حزب الله خارجًا عن القانون، بالتوازي مع الدفع نحو إجراءات تطاول شبكة واسعة من مؤسساته، من «القرض الحسن» إلى مدارس «المهدي» و«المصطفى»، والهيئة الصحية الإسلامية، ومؤسسة الشهيد ومؤسسة الجرحى، وما يتبعها من مستشفيات ومستوصفات، وصولًا إلى المؤسسات العقارية والانشائية، كجهاد البناء وشركة «وعد»، وغيرها من المؤسسات المرتبطة بالحزب. هنا تحديدًا تصبح النسبة التي تحدث عنها عون في واشنطن شديدة الدلالة. فإذا كان الرئيس نفسه يعتبر أن الجانب العسكري لا يشكل سوى 10 أو 20% من قوة حزب الله، فهذا يعني أن المعركة، وفق رؤيته، لا تنتهي عند تسليم الصواريخ والبنادق، بل تبدأ فعليًا بعد ذلك، عند المؤسسات والمدارس والمستوصفات والجمعيات وشبكات الدعم الاجتماعي التي تشكل البنية التي يستند إليها الحزب داخل بيئته. أي إن المسألة، وفق هذه الرؤية، ليست نزع سلاح حزب الله فحسب، بل تفكيك النموذج الذي أقامه داخل المجتمع الشيعي، انطلاقًا من اعتقاد بأن ضرب هذه البنية سيؤدي، في نهاية المطاف، إلى فك ارتباط الشيعة بالحزب وإيران. من هنا تصبح زيارة عون إلى النبطية أكثر وضوحًا في دلالاتها السياسية. زيارة رئيس الجمهورية، وقبل أي شيء، مرحب بها. ووجود الدولة ف