في العاشر من أيلول/سبتمبر الجاري، كان رئيس الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان في عشاء على شرفه بضيافة الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير في برلين، بحضور المستشار الألماني فريدريتش ميرتس، خلال "زيارة دولة" استثنائية توّجت باستثمارات إماراتية بمليارات الدولارات في ألمانيا، في إعادة رسم لعناوين الشراكة الاقتصادية والتجارية بين البلدين. وقبيل الزيارة وخلالها وبعدها، كان ثمة أحداث أخرى في المنطقة تؤشر إلى طبيعة التغيّرات التي يمكن أن تسهم بها بلاد ما، سواء كانت حاضرة فيها أم غائبة عنها. ففي اليمن، وصل الحوثيون إلى تخوم باب المندب بعدما سيطروا على مدينة المخا، في أكبر تقدّم لهم في البلاد منذ سنوات. وفي الجزائر أعلنت السلطات قطع علاقاتها الديبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة. وفي نيودلهي، على هامش قمة البريكس، كان ولي عهد أبوظبي الشيخ خالد بن محمد بن زايد يلتقي الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان رغم فتور العلاقات بسبب الاعتداءات الإيرانية المتكررة على الإمارات خلال الحرب بين الولايات المتحدة وإيران. ما الرابط بين كلّ هذه الأحداث؟ وكيف يمكن قراءة السياسة الخارجية الإماراتية عبرها، سواء كانت في صدارتها، مثل زيارة ألمانيا، أم بعيدة عن مجرياتها الميدانية، مثل تطورات اليمن؟ المستشار الألماني فريديريك ميرتس مستقبلاً رئيس الإمارات الشيخ محمد بن زايد في برلين. (أ ف ب) اليمن: الخروج بإرث ميداني وسياسي حافل في نهاية كانون الأول/ديسمبر 2025، أعلنت وزارة الدفاع الإماراتية سحب ما تبقى من فرقها المتخصصة بمكافحة الإرهاب في اليمن، بالتنسيق مع الشركاء المعنيين، بعدما قدّم أبناء الإمارات "تضحيات جسيمة" منذ مشاركتهم في التحالف العربي لدعم الشرعية عام 2015، دعماً للشرعية اليمنية وإسناداً للجهود الدولية في مكافحة الإرهاب. وكانت القوات المسلحة الإماراتية "أنهت وجودها العسكري" في اليمن عام 2019، واقتصر حضور من تبقى على فرق متخصصة في جهود مكافحة الإرهاب. وفي الثاني من كانون الثاني/يناير 2026 أعلنت الإمارات رسمياً عودة جميع قواتها من اليمن. وأعقب الخروج العسكري الإماراتي مغادرةُ الإمارات الساحة اليمنية سياسياً، بعد سنوات من الحضور الفاعل والحازم على مختلف المستويات، تاركة أثراً كبيراً ظهرت معالمه أخيراً في الارتباك الكبير الذي ساد أداء القوات اليمنية المناوئة للحوثي وداعميها، والتي عجزت عن وقف تمدد الجماعة إلى مناطق في الساحل الغربي من اليمن الشمالي وصولاً إلى المخا والسيطرة على بعض الجزر القريبة من باب المندب. ويقول مصدر سياسي مطلع لـ"النهار" إن ما حصل "مؤسف" و"يبعث على الحزن"، إذ إن "مناطق واسعة من الساحل الغربي كانت حررتها القوات المسلحة الإماراتية، بالتعاون مع القوات الجنوبية، عبر عمليات عسكرية دفعت الحوثيين إلى التراجع. وكان بالإمكان استكمال تحرير ميناء الحديدة لولا الضغوط الدولية التي انتهت إلى اتفاق استوكهولم (2018)، وما ترتب عليه حينذاك من تجميد للمسار العسكري". ويلفت المصدر إلى أن التقدم الحوثي الأخير يشكل تهديداً مباشراً للمملكة العربية السعودية، بما يضع اتفاقها الثلاثي مع تركيا وباكستان أمام اختبار جدّي. ولاحظ مراقبون عبر وسائل التواصل الاجتماعي أن الأحداث الأخيرة أعادت الإمارات إلى الواجهة من دون أن تكون حاضرة فعلاً وميدانياً، إذ استعاد معلّقون كثر الدور السابق للإمارات في اليمن وتأثير أداء قواتها المسلحة والتزام قيادتها حيال الشركاء، مقارنة بالضعف الذي أصاب قوى الشرعية اليمنية وداعميها أمام الهجوم الحوثي. من المشاريع التي نفّذتها الإمارات في عدن عام 2024. (أ ف ب) الجزائر: أزمات الدولة العميقة ومن اليمن إلى الجزائر، حيث تلجأ رموز الدولة العميقة لتصفية حساباتها عبر أسهل الطرق، وهي رمي الأزمات الداخلية على الخارج، مستخدمة اسم دولة الإمارات في عناوين غامضة وتصريحات متناقضة، مشفوعة بـ"حملات إعلامية مبتذلة" لا يستند مضمونها إلى أيّ معطيات ووقائع موثوقة، وفق تعليقات مدوّنين. وفي هذا السياق، يقول المصدر السياسي المطلع لـ"النهار" إن الحديث عن "خلاف جزائري – إماراتي" قد لا يكون دقيقاً، لأن ما حصل هو في جوهره خلاف جزائري مع الإمارات، وربما بصورة أدق أزمة جزائرية في كيفية إدارة العلاقة مع الإمارات، إذ ليس ثمة تفسير لهذا الموقف الجزائري لا لناحية الجغرافيا ولا في ما يتعلق بالمصالح الحيوية للبلدين، لافتاً إلى أن العلاقات الثنائية في عهد الرئيس الجزائري الراحل عبد العزيز بو تفليقة كانت ممتازة. وانطلاقاً من ذلك، يعزو مراقبون قرار الجزائر قطع العلاقات مع الإمارات من دون تبريرات مقنعة إلى عاملين: الأول التوترات الجزائرية الداخلية والصراعات داخل منظومة الحكم والدولة العميقة، والآخر العلاقات الإماراتية – المغربية المتميزة، وكأن الجزائر تريد أ