بعد أكثر من عقدين على الغزو الأميركي، لا يزال آلاف العراقيين في عداد المفقودين، وبينهم ضحايا اختفاء قسري، فيما تعيش عائلاتهم انتظاراً مفتوحاً بين احتمال العودة والخشية من العثور على رفات في مقبرة جماعية. وبين تقديرات متضاربة وسجل وطني لم يكتمل، يبقى الوصول إلى رقم دقيق ومصير موثق لكل مفقود بعيداً. تراكم هذا الملف عبر موجات متلاحقة من العنف، من الحرب الطائفية بين عامي 2006 و2008 إلى سيطرة تنظيم "داعش" على مساحات واسعة من العراق والمعارك التي انتهت بإعلان هزيمته عام 2017، مروراً بالاعتقالات والاحتجاز لدى جهات رسمية وجماعات مسلحة، وحالات الفقدان خلال النزوح وتدمير المدن والقرى. ويزيد تعقيد المشهد الخلط بين المفقودين والمختفين قسراً. فالفئة الأولى تشمل كل من انقطع أثره في الحرب أو النزوح أو الكوارث أو ظروف أخرى، فيما يرتبط الاختفاء القسري بحرمان شخص من حريته على أيدي جهة حكومية أو بموافقتها أو تغاضيها، ثم إنكار احتجازه أو إخفاء مصيره ومكانه. تقول عضو لجنة حقوق الإنسان النيابية وحدة الجميلي لـ"النهار" إن "ملف المفقودين والمغيبين قسراً يمثل أحد أبرز الملفات الحقوقية والإنسانية التي لا تزال بحاجة إلى معالجة حكومية وتشريعية عاجلة، واستمرار غموض مصير آلاف العراقيين لا يمكن أن يبقى من دون حلول نهائية". وكان العراق قد أعاد تشكيل اللجنة الوطنية للمفقودين برئاسة وزير العدل وعضوية جهات قضائية وأمنية وتنفيذية، وكلّف دائرة حقوق الإنسان في وزارة العدل إدارة سجل وطني موحد. غير أن لجنة الأمم المتحدة المعنية بحالات الاختفاء القسري أفادت في آذار/مارس 2026 بأن السجل لم يكتمل بعد، وأن السلطات لا تزال تعتمد على قواعد البيانات الموجودة لدى المؤسسات المختلفة. وتوضح الجميلي أن اللجنة النيابية تتابع الملف مع الجهات الحكومية والأمنية والقضائية، سعياً إلى قاعدة دقيقة ومتكاملة تضم البلاغات، وتساعد في تحديد مصير من تجهل عائلاتهم أماكن وجودهم منذ سنوات. وتؤكد أن لجنة حقوق الإنسان ستواصل استضافة الجهات المعنية للاطلاع على الأعداد والملفات الموجودة لديها، وتحديد المعوقات التي أخّرت حسم مصير المفقودين. فالسجلات موزعة بين مؤسسات تتباين صلاحياتها وطرق التوثيق لديها، فيما تحتاج مطابقة الأسماء إلى ربط البلاغات بسجلات الاحتجاز والمقابر الجماعية والطب العدلي وحركة الدخول إلى البلاد والخروج منها. وترى أن المعالجة "تتطلب تنسيقاً مباشراً بين وزارات الداخلية والدفاع والعدل، ومؤسسة الشهداء والجهات المختصة بالمقابر الجماعية والطب العدلي، فضلاً عن التعاون مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر واللجنة الدولية لشؤون المفقودين"، بما يتيح مطابقة المعلومات وإجراء فحوص الحمض النووي للرفات المكتشفة. وتشدد على "ضرورة أن تتعامل الدولة مع ملف الاختفاء القسري باعتباره قضية حقوقية وقانونية وليست مجرد ملف إداري"، مشيرة إلى حق العائلات في معرفة ما إذا كان أبناؤها أحياء أو توفوا، وإنهاء سنوات الانتظار وعدم اليقين. وتدفع اللجنة، بحسب الجميلي، نحو آلية وطنية تشمل تدقيق البلاغات، وفتح الملفات المغلقة، والتحقيق في الحالات التي تحوم حولها شبهات جنائية، وتسريع البحث عن المقابر الجماعية وتحديد هويات الرفات وتسليمها إلى ذويها. وتعتبر أن حسم الملف يحتاج إلى إرادة سياسية ومؤسساتية وموارد فنية ومالية، وصولاً إلى "إجابة موثقة لكل عائلة فقدت أحد أفرادها". عمال ينتشلون رفات بشرية من موقع الخسفة قرب الموصل في 17 آب/أغسطس 2025. (أ ف ب) تتداول جهات حقوقية تقديرات تقترب من مليون مفقود ومختفٍ قسراً في العراق، إلا أن هذا الرقم لا يخص مرحلة ما بعد 2003 وحدها. فقد قدّرت لجنة الأمم المتحدة المعنية بحالات الاختفاء القسري عدد المفقودين والمختفين قسراً بما يراوح ما بين 250 ألفاً ومليون شخص منذ عام 1968، مشيرة إلى تعذر الوصول إلى رقم أكثر دقة. وتغطي الأرقام المتاحة قواعد وفئات زمنية مختلفة، ما يمنع جمعها في حصيلة واحدة. ففي تشرين الثاني/نوفمبر 2025، أعلن رئيس بعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر في العراق اختيار أصلانوف أن اللجنة كانت تتابع 30,650 ملفاً مفتوحاً حتى منتصف ذلك العام. ويعبّر هذا الرقم عن الحالات المسجلة لدى اللجنة وحدها، وليس إحصاءً وطنياً لجميع المفقودين. من جهته، يقدّر الناشط الحقوقي عمر ناصر، في حديث إلى "النهار"، أن أعداد المفقودين والمغيبين قسراً منذ عام 2003 قد تتجاوز المليون، لكنه يقر أن غياب قاعدة وطنية مكتملة وصعوبة الوصول إلى المعلومات يحولان دون إثبات رقم نهائي. ويقول إن الرقم المتداول "لا ينبغي التعامل معه باعتباره إحصائية رسمية نهائية"، معتبراً أنه يعكس حجم الكارثة التي خلّفتها الحروب والعنف والاعتقالات، وصولاً إلى مرحلة "داعش" وما رافقها من قتل ونزوح ودفن جماعي. ويضيف أن آلاف العائل