من أجل المفقودين... حكاية اسمها غازي عاد. ومن هذه الحكاية نبدأ. لعل أكثر توصيف معبرّ لمسيرة عاد، إنه كان "بنك معلومات" أهالي المفقودين والمعتقلين في السجون السورية، وكل صحافي يريد تقصي معلومات عن هذه القضية الانسانية. عام 1990 كانت بداية الحكاية. ولدت "سوليد"، وكان عاد مؤسّسها، بهدف "جمع المعلومات عن المعتقلين اللبنانيين والمخفيين وتوحيد أهلهم حول القضية". وصباح 16 تشرين الثاني 2016، استسلم عاد، للمرة الأولى في حياته، فغاب عنّا، بعد غيبوبة قاتلة. وبين المسارين، تاريخ طويل من النضال، الشفافية والعطاء اللامتناهي من أجل المفقودين وأهلهم. من هو غازي عاد؟ولد عاد عام 1957. درس في الجامعة الأميركية في بيروت، وكان يتابع دراساته في الولايات المتحدة قبل أن يتعرّض عام 1983 لحادث سير، جعله يحرّك القضية، من على كرسيه. أما أكثر ما هو لافت في حياته، فإنه لم يكن لديه قريب معتقل أو مفقود في سوريا، ومع ذلك كانت تلك القضية كل حياته. مرّ نضاله بمراحل. أولها، كانت فيها قضية المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية من الملفات المحظورة. لكن عاد حوّلها علانية. كان التحدي الأول إثبات وجود القضية، وسط نظامين لبناني – سوري "متواطئين" على الانكار.المرحلة الثانية، بدأ خلالها بتوثيق أسماء المفقودين. وكان التحدي الأصعب. عملت "سوليد" على جمع المعلومات عن المعتقلين والمفقودين، والتواصل مع عائلاتهم، ومحاولة تحديد أماكن وجودهم. بات عاد صلة الوصل "ومرجع" الاهالي. وفي التحدي الثالث، انتقل من الداخل الى الخارج. داخلياً، لم يتوقف عن مطالبة الدولة اللبنانية بتحمل مسؤوليتها في كشف مصير المفقودين، حتى بعدما انسحب الجيش السوري منلبنان. وناضل من أجل صوغ "قانون المفقودين والمخفيين قسراً". خارجياً، شارك في لقاءات مع الأمم المتحدة والبرلمانات الأوروبية، لجعل المسألة "قضية حقوق دولية". وفي كل هذه التحديات، نجح غازي... وبعد. وعن المقابر الجماعية. لم يخش يوماً إثارة القضية، بحجة أنها تؤثر سلباً على المفقودين، كما كان يدّعي البعض، بل العكس، لطالما طالب بوضع شبه خريطة أولية لهذه المقابر، تمهيداً لنبشها، تماماً كما حصل مع "مقبرة اليرزة".عامها، وتحديداً في تشرين الاول 2005، حين استطاعت "النهار"، إثارة القضية علناً. وقف عاد الى جانب قلّة، ليطالبوا بنبش تلك المقبرة. وهكذا، نجحت "النهار" في الضغط على فتح الحفرة في ملعب وزارة الدفاع، وبعد أيام، عثر على 22 رفات، كانت تعود الى أفراد من الجيش اللبناني. وكان أهلهم يظنون أنهم في سوريا، ومن أشهرهم، كان جوني ناصيف... "هيك بيرتاحوا الامهات": هكذا علّق عاد يومها وأكمل القضية.أمهات كثر، شقيقات وأبناء، كلهم تحلّقوا حوله. في التظاهرات، واجهوا خراطيم المياه والقمع. في المؤتمرات، نطقوا بالحقيقة في زمن القبضة الأمنية. لم يتعبوا، ومعهم غازي. رفيقته الدائمة كانت أوديت سالم. تلك الأم التي دهستها سيارة وهي تدخل باب خيمة المعتقلين، لتمسح الغبار عن صورة ولديها المفقودين. صونيا عيد، فيوليت ناصيف وغيرهن كثر، من كل الطوائف كانوا جميعهم الى جانب غازي. أعوام، بقي ينام في خيمة المعتقلين، صيفاً وشتاء. مرة واحدة، سمعت غازي يقول إنه تعب. كانت حين قرّر إزالة الخيمة. يومها همس مكسوراً: "الأمهات تعبن. مرّ عليهن أكثر من شتاء بارد، وصيف حار. ولا من جديد. لقد أثّر بهن كثيراً موت أوديت سالم". كان ذلك، في 10 كانون الأول 2015، بعدما بقيت الخيمة صامدة أمام "الاسكوا" 11 عاماً.حتى بعد رحيله، بقي غازي حاضراً. لا يمكن أن يمحو أثره خلال ثلاثة عقود، أبقى خلالها القضية حيّة، بحثاً عن حقيقة... عن مفقود، حيّاً أو رفاتا.