مقالات · أرشيف المقالات الدولة اللبنانية في مواجهة الاحتلال و«الانقسام»: من هشاشة السيادة إلى صناعة الدولة الفولاذية 14 أيلول 2026 · 02:02 ص 7 دقائق قراءة حجم الخط د. حسين محمود رمال* لبنان اليوم لا يواجه أزمة أمنية عابرة، ولا مجرد خلاف سياسي بين قوى تتنازع على موقع أو سلطة؛ إنه يقف أمام امتحان وجودي يتعلق بمعنى الدولة نفسها، وبقدرتها على أن تكون دولة بالمعنى القانوني والسياسي الكامل. فحين يصبح الإقليم الوطني عرضة للاعتداء، ويصبح القرار الوطني موزعاً بين مراكز قوى، ويتحوّل الخطاب السياسي الداخلي إلى مادة للتجاذب في مواجهة الخارج، فإن الخلل لا يعود في إدارة الدولة فحسب، بل يصيب أحد أركان وجودها: السيادة. والدولة التي لا تمارس سيادتها على أرضها، ولا تحتكر بصورة فعلية ومشروعة أدوات القوة العامة، ولا تتكلم من موقع الوحدة الوطنية حين تنتهك حدودها، تتحول تدريجياً من دولة صاحبة قرار إلى ساحة مفتوحة للآخرين. والأخطر أن لبنان لا يواجه هذه الحقيقة للمرة الأولى. فمنذ 1948، مروراً بـ1969 و1975 و2006، وصولاً إلى المرحلة الراهنة، تتكرر المأساة ذاتها بأسماء مختلفة: الخارج يتقدم كلما تراجع الداخل، والسيادة تنكمش كلما اتسعت المساحات التي تسمح لقوى غير الدولة بأن تتحرك داخل الإقليم الوطني. وما يثير القلق ليس فقط تكرار الوقائع، بل العجز عن إنتاج العبرة الوطنية منها. وكأن التاريخ اللبناني لم يعد مدرسة، بل صار سجلاً تتكرر فيه الأخطاء فيما تتبدّل الضحايا والعناوين. الدستور اللبناني لا يترك هوية الدولة ومفهوم سيادتها في منطقة التأويل السياسي؛ فلبنان، وفق الفقرة الأولى من مقدمته، دولة مستقلة ذات سيادة، كما أن الدستور يؤكد وحدة الأرض اللبنانية واستقلالها. وهذه ليست عبارة احتفالية تصلح للخطب الوطنية، بل قاعدة تأسيسية تفرض على السلطة العامة أن تصون استقلال الدولة ووحدة إقليمها، وأن تجعل القرار المتصل بالأمن الوطني والسياسة الخارجية شأناً للدولة ومؤسساتها الدستورية. وفي القانون الدولي، تقوم السيادة على المساواة القانونية بين الدول وعلى احترام الاستقلال السياسي والسلامة الإقليمية. وقد جعل ميثاق الأمم المتحدة الامتناع عن التهديد باستعمال القوة أو استعمالها ضد السلامة الإقليمية والاستقلال السياسي للدول من المبادئ المركزية للنظام الدولي. ومن ثم فإن انتهاك الإقليم اللبناني بالقوة لا يصبح مشروعاً لأن الداخل اللبناني منقسم، كما أن الانقسام الداخلي لا يمنح الخارج رخصة قانونية لاقتطاع السيادة أو فرض الوقائع بالقوة. لكن القانون الدولي، مهما بلغت قوته المعيارية، لا يستطيع أن يصنع دولة بدلاً من أهلها. يستطيع أن يحمي الدولة من العدوان، وان لم يفعل (فمقاومة تجيد التقدير كما فعل موسى الصدر). وأن يقرر قواعد المسؤولية والاحترام، لكنه لا يستطيع أن يزرع في مجتمع ما إرادة الدولة إذا كانت تلك الإرادة ممزقة في الداخل. إن وجود القوات الاحتلال الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية وانتهاك السيادة والسلامة الإقليمية أمر لا يمكن تبريره بمنطق القوة أو تحويله إلى تفصيل في سجال داخلي. وقد أكدت الأمم المتحدة في المرحلة الراهنة ضرورة احترام سيادة لبنان وسلامة أراضيه، وفي آب 2026 وثّقت اليونيفيل كذلك خروقات إسرائيلية واسعة للأجواء والمياه اللبنانية وإطلاق مئات المقذوفات باتجاه الجنوب. غير أن مواجهة الاحتلال لا تكون باستبدال سيادة الدولة بسيادة فريق، ولا بتحويل لبنان إلى حلبة تتعدد فيها مراكز القرار تحت عنوان الدفاع عن الوطن من هنا وهناك. فالاحتلال الخارجي اعتداء على الدولة، أما تعدد مراكز القوة داخلها فهو إضعاف لبنيتها السيادية. والخطأ الأكبر أن يُنظر إلى الأمرين باعتبارهما متناقضين؛ إذ إنهما، في الواقع، يغذي أحدهما الآخر. كلما ضعفت الدولة، اتسعت قابلية لبنان للتدخّل الخارجي. وكلما تعددت القوى صاحبة القرار، أصبح الخارج أكثر قدرة على النفاذ إلى الداخل. وكلما انقسم اللبنانيون حول تعريف المصلحة الوطنية، صار تعريف لبنان نفسه موضوعاً قابلاً للتفاوض في الخارج. ليس المطلوب أن يصبح اللبنانيون متطابقين في السياسة والفكر؛ فالاختلاف من طبيعة النظام الديمقراطي، بل إن الدستور يفترض التعدد السياسي. لكن الدولة تنهار عندما يتحول الاختلاف إلى قطيعة مع مفهوم المصلحة الوطنية العليا، وعندما يصبح الانتماء السياسي أو الطائفي أو الحزبي مقدماً على الانتماء إلى الدولة. الجرثومة الخبيثة ليست في وجود أحزاب أو تيارات أو طوائف؛ بل في العقل السياسي الذي يتعامل مع الدولة كغنيمة، والسيادة كمساحة قابلة للمساومة، والإقليم كحيز يمكن أن تتداخل فيه إرادات الخارج والداخل من دون حدود واضحة. وهنا يجب أن يكون النقد قاسياً: لقد دفع اللبنانيون ثمناً باهظاً لأنهم لم يحسموا، بصورة نهائية، السؤال الأول في علم الدولة: من يمل