لا تتسع مجلدات للحديث عن مسيرة الآباتي بولس نعمان، ولكن هناك مشروع قد يكون الأخير في حياته، سعى إلى إنجازه مع صديقه ورفيقه الأب توما مهنا. ما قصة هذا المشروع؟ لم يتحدث الآباتي نعمان علنًا عنه، وقد يكون أخبر البعض، وحتى الأب توما مهنا كان قليل الكلام عن هذا المشروع. ومن بعض التفاصيل التي أمكن جمعها من أحاديث مع الأب توما مهنا أنه، اعتبارًا من منتصف تسعينيات القرن المنصرم، بدأ يتردد إلى العراق لإلقاء دروس ومحاضرات في التعليم المسيحي، وزاره عشرات المرات، والتقى بجميع بطاركة وأساقفة الطوائف المسيحية هناك. في كل مرة كان يعود إلى لبنان، كان يزداد قلقه على وضع المسيحيين العراقيين: كانوا في حالة يأس كبيرة، وجميعهم يسعون لترك العراق والهجرة من الشرق. بعد الغزو الأميركي للعراق سنة 2003 وانتشار الأصولية الإسلامية ازدادت معاناة المسيحيين العراقيين، وبدأوا المغادرة إلى لبنان وسوريا والأردن وتركيا وشمال العراق كمحطة قبل انتقالهم إلى أوروبا وأميركا وأستراليا. يومًا تحدث الأب توما مهنا مع الآباتي بولس نعمان عن هذا الوضع، وكان بعض المسيحيين العراقيين الذين كان الأب مهنا التقاهم في العراق واستطاعوا الوصول إلى لبنان يزورونه ومنهم من يطلبون مساعدته لاكمال طريقهم إلى أي دولة غربية، ومما قاله للآباتي نعمان: هناك قسم كبير من هؤلاء العراقيين من الأثرياء وبعضهم غناهم فاحش فسيشكل وجودهم في لبنان واستثمارهم فيه عامل جد إيجابي، فلما لا نستفيد منهم بدل أن تستفيد دول أوروبا وأميركا وأستراليا؟ اقتنع الآباتي نعمان بطرح الأب توما مهنا، وباشرا دراسة تفاصيل المشروع قبل عرضه على المسؤولين. بحسب الطرح المقترح: شكّل جبل لبنان على مرّ التاريخ ملجأ لكل المضطهدين في هذا الشرق، ولا سيما المسيحيين منهم، فلمَ لا يتم توطين هؤلاء المسيحيين العراقيين في لبنان وإبقاؤهم في الشرق، قريبًا من أرضهم، فإن لم يعودوا إليها يبقون شرقيين؟ كان الأب مهنا يقول إن جميع المسيحيين العراقيين الذين التقاهم كانوا يتمنون البقاء في لبنان وعدم الهجرة، ومن الممكن أن يصل عددهم إلى ما لا يقل عن نصف مليون مسيحي، خاصة إذا أتى إلى لبنان من توجّهوا إلى سوريا والأردن وتركيا وشمال العراق، وكان على اطلاع على أوضاعهم وأعدادهم وأماكن وجود أكثريتهم. يومًا تواصل معي الأب توما مهنا طالبًا تزويده بالمقال الذي كتبته عن القرى المندثرة في منطقة البترون، وعددها 14 قرية، وسألني إن كنت ذكرت لمن أصبحت ملكية أراضي تلك القرى؟ لاحقًا، علمت أنه أراد معرفة إن كان من الممكن الاستفادة من بعض أملاك تلك القرى، وقسم من تلك الأملاك مِلك لعدة رهبانيات وأديرة. غير معروف مع من تواصل الآباتي بولس نعمان والأب توما مهنا سعيًا إلى تنفيذ هذا المشروع، وبحسب بعض ما تسرّب من أحاديث الأب توما مهنا، فإنه لم يكن المطلوب وهب أراضٍ للمسيحيين العراقيين، بل عقد اتفاقيات لاستثمار أملاك مهملة لأوقاف أو أديرة أو مشاعات لبلديات، على مدى سنوات طويلة، بأسعار بسيطة أو رمزية. ومن الممكن أن تكون عند أطراف الوطن، في الأماكن التي تشهد نزيفًا مسيحيًا، فيبنون قرى جديدة لهم من أموالهم، فهم ليسوا بحاجة إلى أي معونة، وسيشكّل هذا الوجود المسيحي الجديد عامل استمرار للوجود المسيحي هناك. يضيف: لم يكن هناك تجاوب، ولم يقل ممن أتت العرقلة. هل من الدولة التي رفضت إعطاء العراقيين المسيحيين إقامات أو تراخيص أم من بعض المراجع الكنسية؟ لم ينجح المشروع، وفي إحدى المرات بعد بدء الثورة السورية ووصول سوريين مسيحيين إلى لبنان تمهيدًا لانتقالهم إلى أوروبا وأميركا قال الأب توما مهنا: خسرنا مسيحيي العراق والآن نخسر مسيحيي سوريا من سيبقى في هذا الشرق؟ ليته نجح مشروع تثبيت مسيحيي العراق في لبنان كان سيشمل مسيحيي سوريا اليوم ومنهم موارنة. رحل الأب توما مهنا قبل سنوات قليلة، ويرحل اليوم الآباتي بولس نعمان والبلد يفرغ من شبانه المسيحيين وغير المسيحيين. هل سيأتي يوم وتنتقل البطريركيات والرهبانيات المسيحية إلى الغرب حيث الانتشار المسيحي الشرقي الجديد بعد أن يفرغ لبنان والشرق من مسيحييه؟ هذا ما تنبّأ به المثلث الرحمات، المطران العلّامة إسطفان هيكتور الدويهي، في محاضرة ألقاها في باريس شتاء عام 1977 للطلاب اللبنانيين الزغرتاويين والمسيحيين، متمنيًا ألّا نصل إلى هذا اليوم.