"بريكس"... طموح عالمي يصطدم بحدود التوافق جانب من القادة المشاركين في "بريكس" أمس (أ ف ب) خرجت قمة "بريكس" في نيودلهي يومَي السبت والأحد بتقدّم دبلوماسي يعكس قدرة أعضائها على تنسيق المصالح وسط خلافات عميقة. فبين التقارب الهندي - الصيني، ومتانة الشراكة الهندية - الروسية، والتوافق على الدعوة إلى التهدئة في الشرق الأوسط، برز تكتّل يسعى إلى توسيع تأثيره العالمي، فيما تختبر النزاعات الحدودية والاختلالات التجارية وتباين العلاقات مع واشنطن حدود تماسكه. وتكمن أهمية القمة في توفير مساحة للتفاوض بين قوى تجمعها الرغبة في تعديل موازين النفوذ الدولي، وتفصل بينها حسابات الأمن والاقتصاد وأولويات السياسة الخارجية. شكّلت زيارة الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى الهند، الأولى منذ عام 2019، أبرز المحطات الثنائية في القمة. فاللقاء مع رئيس الوزراء ناريندرا مودي منح التقارب التدريجي دفعًا سياسيًا، بعد استئناف الرحلات الجوّية وإصدار التأشيرات وتكثيف الاتصالات. وأظهر التزام الطرفين بالسعي إلى تسوية حدودية منصفة ومعقولة ومقبولة منهما رغبة في احتواء التوتّر. غير أن استمرار الانتشار العسكري الكثيف على امتداد نحو 3500 كيلومتر يؤكد أن استعادة الثقة تتطلّب ترجمة التعهّدات إلى إجراءات، خصوصًا بعد المواجهة الدامية قبل ست سنوات. وتوازي العقدة التجارية في أهميتها الخلاف الحدودي. فالصين أصبحت أكبر شريك تجاري للهند، بينما بلغ العجز الهندي تجاهها 112 مليار دولار في السنة المالية 2025 - 2026. ويكشف هذا التفاوت أن توسيع المبادلات وحده قد يزيد حساسية العلاقة، ما يفسّر تشديد الجانبين على معالجة الاختلال التجاري وقضايا سلاسل التوريد وتسهيل الوصول إلى الأسواق. وتواجه دعوة شي إلى تكامل نقاط القوّة اختبارًا عمليًا يتجسّد بمدى قدرة التعاون على تحقيق مكاسب متوازنة، في ظلّ تفوّق اقتصادي صيني يُثير توتّرات داخل المجموعة. في المقابل، عكست العلاقة الهندية - الروسية قدرًا أكبر من الاستقرار. فالاستقبال الحار الذي خصّ به مودي الرئيس فلاديمير بوتين اقترن بمصلحة مباشرة في أمن الطاقة، بعدما لجأت نيودلهي جزئيًا إلى موسكو للتخفيف من تداعيات الحرب في الشرق الأوسط. وتؤكد هذه العلاقة تمسّك الهند بهامش قرار مستقلّ رغم الضغوط الغربية المرتبطة بحرب أوكرانيا، مع حرصها على توازن علاقاتها مع واشنطن. وهذا يضع التنسيق مع روسيا ضمن سياسة تنويع الشراكات وحماية المصالح الهندية. أما التقاطع الصيني - الروسي، فظهر في السعي إلى تعزيز وزن التكتّل وإعادة تشكيل قواعد النفوذ العالمي. دعا بوتين إلى نظام أكثر عدالة ومتعدّد الأقطاب، وشدّد شي على التجارة المنفتحة ورفض الحمائية. ويشير ذلك إلى أرضية سياسية مشتركة، مع اختلاف أدوات التأثير، إذ طرحت بكين مبادرات للتجارة والذكاء الاصطناعي، بينما شدّدت موسكو على الدور الدولي للمجموعة. وأتاح الملف الأوكراني مجالًا إضافيًا للتنسيق، إذ أعلن الكرملين أن شي ومودي عرضا المساعدة في محادثات السلام، وأن بوتين رحّب باستعدادهما. وفي الشرق الأوسط، نجحت الوساطة الهندية في جمع مواقف متباعدة ضمن بيان يدعو إلى أقصى درجات ضبط النفس، بعد تعثّر وزراء الخارجية في أيار. ويكتسب ذلك أهمّية مع الانقسام بين إيران والإمارات، واللقاء بين الرئيس الإيراني وولي عهد أبوظبي على هامش القمة. لكن عمومية الصياغة تعكس حدود التوافق؛ فهي تؤسّس لخفض التصعيد، وتترك الخلاف على أسباب الحرب ومسؤوليات أطرافها قائمًا بطبيعة الحال. تختصر هذه النتائج معادلة "بريكس": ثقل دولي متنامٍ يحتاج إلى تسويات داخلية مستمرّة. وتمنح المبادرات الصينية، ومنها التعاون في الذكاء الاصطناعي المفتوح المصدر، التنسيق مضمونًا عمليًا، لكنّها تطرح أيضًا مسألة توزيع منافعه. وسيُقاس نجاح التكتّل بقدرته على تحويل التعهّدات إلى مصالح متوازنة، واحتواء المنافسة بين أعضائه، وصوغ مواقف مشتركة تحافظ على استقلال خياراتهم.