إن الاقتصاد اللبناني الداخلي يرزح تحت وطأة نتائج الحرب التي فاقت كل التوقعات، فلبنان لا يمكنه أن ينمو خارج محيطه العربي. وبحكم موقعه الجغرافي وتركيبته الاقتصادية وتاريخه التجاري والبشري، لم يكن لبنان يوماً اقتصاداً مغلقاً على نفسه. فقوته كانت دائماً في قدرته على الاتصال بمحيطه، واستقطاب الأموال والسياح، وتصدير خدماته ورأس ماله البشري، وتحويل موقعه الصغير إلى مساحة اقتصادية أكبر من حدوده الجغرافية. لكن المفارقة أن لبنان، الذي امتلك لعقود قدرة استثنائية على الاستفادة من محيطه العربي، لم ينجح في بناء اقتصاد داخلي متين بسبب الأزمة المصرفية، وأزمة المالية العامة والدين العام، ومعضلة الكهرباء، والفساد، وعدم تحسين بيئة الأعمال اللبنانية، وخلق مناخ ملائم للاستثمارات يوازي حجم هذه العلاقات. ينصّ اتفاق الطائف، في البند المتعلق بالأسس العامة، على أن «لبنان عربي الهوية والانتماء، وهو عضو مؤسس وعامل في جامعة الدول العربية وملتزم مواثيقها». يعاني الاقتصاد اللبناني من حالة انكماشية بلغت 6.4%، ومعدل تضخم بلغ 17.5%، وعجز في الميزان التجاري بلغ نحو 8.65 مليار دولار تقريباً في النصف الأول من عام 2026، وحجم تحويلات بلغ نحو 5.80 مليار دولار تقريباً خلال عام 2026، وانكماش في مساهمة السياحة في النشاط الاقتصادي بسبب التصعيد العسكري والإلغاءات الواسعة للحجوزات فيما يتعلق بتذاكر السفر والإقامة في الفنادق، لتصل إلى 10.8% من الناتج المحلي لعام 2026، فضلاً عن النزوح من الجنوب والضاحية الجنوبية، والهجرة. فالاقتصاد اللبناني يقوم على الخدمات، والسياحة، والتحويلات، والتجارة، ورؤوس الأموال الوافدة، والانتشار اللبناني في الخارج. وهذه العناصر جعلت لبنان أكثر انفتاحاً على محيطه العربي من معظم اقتصادات المنطقة. ولذلك، لم تكن الدول العربية بالنسبة إلى لبنان مجرد أسواق للصادرات أو وجهات للسياحة، بل كانت جزءاً من الدورة الاقتصادية اللبنانية نفسها. أي إن لبنان، بحكم الجغرافيا والتاريخ والمصالح الاقتصادية، لا يستطيع أن ينفصل عن محيطه العربي. فالعلاقة بين لبنان والعالم العربي ليست علاقة ظرفية فرضتها الأزمات، ولا مجرد علاقة تجارية تحكمها أرقام الصادرات والواردات، بل هي علاقة متجذّرة في الثقافة والتجارة ورأس المال. من هنا، فإن انفتاح لبنان على محيطه العربي ليس خياراً اقتصادياً فحسب، بل هو امتداد طبيعي لموقعه وهويته ومصالحه. لبنان اليوم يبدو كاقتصاد عائم في محيطه العربي، أكثر مما يبدو اقتصاداً قائماً على قاعدة إنتاجية داخلية صلبة. فعندما تنشط السياحة العربية، تتحرك المطاعم والفنادق والتجارة والخدمات؛ وعندما تتدفق تحويلات اللبنانيين العاملين في الخليج، تتحسّن قدرة الأسر على الاستهلاك؛ وعندما تنفتح الأسواق العربية أمام المنتجات اللبنانية، يستفيد القطاعان الزراعي والصناعي. وبالمقابل، فإن أي تراجع في هذه التدفقات ينعكس سريعاً على الاقتصاد اللبناني. خليجياً، تكتسب العلاقة مع دول الخليج أهمية استثنائية. فاللبنانيون العاملون في دول الخليج لا يمثلون مجرد جالية لبنانية في الخارج، بل يشكّلون امتداداً اقتصادياً مباشراً للبنان. وتحويلاتهم تضخ السيولة في الاقتصاد، وتدعم الاستهلاك، وتموّل التعليم والسكن والصحة، وتساعد الأسر على مواجهة تراجع القدرة الشرائية. وفي المقابل، تمثل السياحة الخليجية عنصراً بالغ الأهمية للقطاعات اللبنانية المرتبطة بالخدمات: الفنادق، والمطاعم، والمقاهي، والتجزئة، والنقل، والعقارات. ولذلك، فإن أي تحسّناً في العلاقات اللبنانية - الخليجية لا يبقى سياسياً أو دبلوماسياً، بل يتحوّل سريعاً إلى حركة في الأسواق، وارتفاع في الطلب، وتحسن في مداخيل المؤسسات والأفراد. المملكة العربية السعودية ليست مجرد دولة خليجية تربطها بلبنان علاقات سياسية واقتصادية قديمة، بل هي إحدى أهم بوابات لبنان إلى الخليج. تسبب الحظر السابق في انخفاض قيمة الصادرات اللبنانية إلى السعودية من نحو 246 مليون دولار عام 2019 إلى مستويات شبه معدومة، أي نحو 313 ألف دولار فقط، مما عمّق العجز التجاري اللبناني مع المملكة ليصل إلى 1.14 مليار دولار لصالح السعودية. وفي 10 حزيران 2026، قررت السعودية إعادة فتح أسواقها أمام البضائع اللبنانية، وتلا ذلك إطلاق مسار تنفيذي لتطوير التعاون الزراعي والصناعات الغذائية، وتحديث الاشتراطات الرقابية والصحية بين البلدين، من حيث ضبط الحدود ومكافحة التهريب. فتزامنت العودة الاقتصادية مع تشديد السعودية على ضرورة التزام الدولة اللبنانية بضبط المعابر والمرافق البحرية بشكل صارم لمنع تهريب الممنوعات والمخدرات، مثل الكبتاغون، وتفعيل الرقابة والجودة. فقامت وزارة الصناعة اللبنانية بتفعيل المجلس اللبناني للاعتماد (كوليباك)، لضمان مطابقة المنتجات المحلية لأعلى المعايير القياسية المطل