بين أزقة حارة صيدا القديمة كانت البداية، بدأت قصة الطفل نزيه الآغا، المعروف باسم "رياض"، الذي حمل اسم شقيقه المتوفى ليبقى حاضراً في العائلة. كان اسمه على الهوية نزيه، لكن اسمه الاجتماعي كان "رياض". وفي كلتا الحالتين، اختفى نزيه – رياض الآغا، واختفت معه كل أحلامه التي حملها في قلبه الكبير. هناك، بين بيوت صيدا القديمة المتلاصقة والمتداخلة حدّ التمازج، نشأ رياض وكبر في ظروف قاسية، وعلى امتداد شوارعها الضيقة، طبعت خطواته ذهاباً وإياباً قبل أن يُفقد أثره في صيف عام 1982، حين مضى في رحلته الأخيرة ولم يعد. قصة رياض الآغا ليست سوى واحدة من مئات قصص المخطوفين والمفقودين في لبنان، الذين ما زالت عائلاتهم معلّقة بين الأمل والغياب، تنتظر خبراً، أو معلومة، أو حتى رفاتاً يضع حداً لسنوات من الأسئلة.في بلدٍ طال فيه الانتظار، لا يزال كثيرون يعيشون من دون قبر يزورونه أو حقيقة يواجهونها؛ فقط صمت ثقيل وغياب مفتوح على كل الاحتمالات. فردوس، ابنة المفقود رياض الآغا، تواصل منذ سنوات البحث عن مصيره وكشف حقيقة اختفائه. (الصورة: النهار) لم تكن حياة رياض سهلة منذ بداياتها. تيتم في التاسعة من عمره، فوجد نفسه مضطراً إلى مواجهة قسوة الحياة في وقت مبكر. كان طفلاً لا يزال يحتاج إلى حنان أمه وحضنها، لكنه وجد نفسه، كما تروي ابنته فردوس في حديثها لـ"النهار"، وحيداً، باعتباره الأصغر في عائلة مؤلفة من سبعة أفراد، كان معظمهم قد تزوجوا وأصبح لكل منهم عائلته الخاصة. تنقّل رياض بين بيوت أشقائه وشقيقاته بعد أن تزوّج والده من جديد. كان "رحّالاً" في حارة واحدة، يهرب من وحشة الحياة إلى منزل عمته المجاور لمنزل والده. وكما تقول فردوس، "كانت أكثر حنّية من الجميع على والدي". كبر رياض قبل أوانه، ولم تترك له الحياة خياراً آخر. لم يكن قد تجاوز الثانية عشرة عندما بدأ يعمل بيديه الصغيرتين ليؤمّن لقمة عيشه. أحبّ البحر وغاص في أعماقه، وقضى سنوات من عمره على شاطئ صيدا، وما زال أهلها حتى اليوم يتذكرونه بعبارة واحدة: "كان يجيب السمكة من تمّ الأسد"، في تعبير عن شجاعته ومهارته في صيد السمك آنذاك. زوجة رياض الآغا وأطفاله الخمسة بعد فقدان أثره. (الصورة من أرشيف ابنته فردوس) مضت 45 عاماً على آخر رحلة صيد له، 45 عاماً ولم تعرف عائلة الآغا خبراً عن ابنها وزوجها ووالد أولادها. صورته التي توثّق وجهه الجميل وعينيه الخضراوين تنتظر هي الأخرى، عاماً تلو عام، ورياض لم يعد... ذهب ليسلّم السمك إلى زبون في منطقة عبرا، واختفى! تقول ابنته فردوس: "اختفى هو والسمك والموتسيكل الذي كان يحمل غلّته عليه". اشتهر بدرّاجته النارية الحمراء التي كان يقودها حاملاً رزقته معه، يضع عليها أفخم أنواع السمك، ويمضي في طريقه "مسترزقاً". ابنة المفقود رياض الآغا، فردوس، ترفع صورته في المكان الأحب إلى قلبه: ميناء صيدا. كل من يتذكر رياض يبتسم؛ صيته جميل، وكلمات طيبة ترافق اسمه. تتأثر ابنته فردوس عندما تسمع كلمات جميلة عنه، تصارحني قائلةً "أفتخر أنني ابنة رياض الآغا". تتشابه ملامح فردوس، بعينيها الخضراوين، مع والدها كثيراً، وتتأثر كلما قال لها أحدهم: "تشبهينه". تتمسّك بتلك الكلمة، كما تتمسّك بصورة والدها التي تضمّها إلى صدرها، وتتنهد: "45 سنة مرّت، وبعدو بييّ بينذكر بكلمات حلوة... هيدي نعمة". على رصيف صيدا البحري، حيث تصطف مراكب الصيادين بألوانها وأحجامها، في انتظار ما سيحمله البحر من أرزاق، تقف فردوس أمام المكان الأحب إلى قلب والدها رياض. تعترف: "هنا قضى والدي نصف عمره، كان عاشقاً للبحر. أتساءل أحياناً: هل البحر غدّار لأنه أخذ والدي مني في رحلة استرزاقه؟ ثم أجيب نفسي قائلة: لكنه لم يغرق في البحر... كان يغوص فيه ليصطاد السمك ويبيعه، قبل أن يُفقد أثره للأبد". لدى فردوس مشاعر مختلطة ومتناقضة تجاه البحر؛ تحبّه بمحبة والدها، وتهابه في الوقت نفسه لأنه يذكّرها بيُتمها وفقدان أغلى شخص في حياتها... والدها. لم تكن فردوس قد تجاوزت الثالثة من عمرها عندما فُقد أثر والدها. تحفظ ملامحه من الصور وأحاديث الأقارب ووالدتها، وترسم صورته في مخيلتها، فيما لا يزال جزء منها ينتظر عودته. المفقود رياض الآغا مع ابنه البكر فاروق في صيدا عام 1972 ( الصورة من صفحة ابنه فاروق على الفايسبوك) عمل رياض في البحر طوال حياته، كان غطاساً ماهراً وصياداً شجاعاً. ويقول أصدقاؤه الذين عملوا معه في البحر: "لم يكن أحد يصطاد أنواع الأسماك التي كان يصطادها رياض... عطول رزقته كانت غير، سبحان الله". لم يكن رياض، كما يخبر عارفوه، ينتمي إلى أي حزب أو مجموعة مسلّحة خلال الحرب اللبنانية. كان رجلاً همه الوحيد تأمين لقمة عيش عائلته المؤلفة من زوجته وأطفاله الخمسة. وعندما خُطف رياض، كان ابنه محمد لا يزال رضيعاً لم يتجاوز الأربعة أشهر، فيما كانت ابنته فردوس في الثالثة