ليست قضية المفقودين مجرد جدارية تعلّق في شوارع العاصمة، انها بالمعنى المعاكس تماما، فهي تمثّل عدم اليقين والشك والضبابية، تلك المشاعر المتضاربة التي يعيشها اهالي المفقودين، ومنذ زمن.بالامس، وقبل ايام من اليوم العالمي للمفقودين والمخفيين قسرا الذي يصادف في 30 اب، اقامت اللجنة الدولية للصليب الاحمر جدارية المفقودين والتي تجسد معاناة الاف العائلات التي لا تزال، بعد عقود، تنتظر إجابات عن مصير أحبّائها. فهل تختصر قضية المفقودين بتلك الجدارية؟ تقول رئيسة لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان وداد حلواني ان "القضية لا يمكن ان تختصر بجدارية بالطبع. هذا ليس سوى تجسيد لتلك المعاناة الانسانية. نحن نواصل، ومنذ أربعة عقود، تسليط الضوء على هذه المسألة التي تختصر بحقنا في معرفة مصير أحبّائنا". واذ تلفت الى ان " هذا الحق لا يمكن وصفه بالمطلب الخاص بنا وحدنا"، تؤكد انه " حق إنساني، ويشكلّ ضرورة ملّحة من أجل مواجهة الماضي والتعلّم منه ومنع تكراره". وبعد، كل هذه الاعوام، اي مسار ينبغي ان تسلكه القضية؟ وهل تكفي البيانات والجداريات؟ لا شك ان بعض الخروق سجلّت في هذا الملف، على صعيد قانون المفقودين والهيئة الوطنية، الا ان مسار العمل لم يكتمل، وفق المطلوب.من المعلوم، ان في الاعوام الاخيرة، ولاسيما بسبب الاوضاع السياسية السائدة، واجهت الهيئة الوطنية للمفقودين والمخفيين قسراً، صعوبات كثيرة، وسعى كثر في اكثر من مرة الى تذليلها، ان كان على الصعيد الرسمي السياسي او على صعيد العاملين في المجتمعات المدنية والاهلية. قانونا وانسانيا ايضا، هناك فرق أساسي بين كشف المصير والمحاسبة، فالهيئة وفق القانون، مهمتها الأساسية إنسانية وحقوقية، اي "معرفة ماذا حلّ بالمفقود وأين أصبح، وجمع الأدلة والمعلومات وتحديد الرفات". أما الملاحقة الجزائية وتحديد المسؤوليات الجنائية، وفق القانون، فتبقى "من اختصاص القضاء والسلطات القضائية المختصة"، لا سيما ان القانون نفسه يؤكد أن "عمل الهيئة لا يلغي حق المتضررين في اللجوء إلى القضاء". وقانونا ايضا. فان قانون المخفيين قسرا مرّ على اقراره 8 اعوام. هو صدر في العام 2018، وحمل الرقم 105، واعتبر التشريع الأساسي الخاص بالمفقودين والمخفيين قسراً نتيجة الحرب الأهلية. لقد كرّس القانون حق أسر المفقودين في معرفة مصير أحبائهم، وأسس الهيئة الوطنية للمفقودين والمخفيين قسراً للتحقيق في هذه القضايا الإنسانية. واذا كان النص القانوني بات موجودا، بعد جهد كبير ادّاه، بشكل اساسي اهالي المفقودين واللجان المعنية، فالسؤال المشروع اليوم هو: اي اهداف او خطوات ينتظر بلورتها، كي يصبح القانون فعّالا، لا مجرد نص؟ من ابرز اهداف القانون، اقرار حق أفراد الأسرة والمقربين المطلق في معرفة مصير ذويهم المفقودين أو المخفيين قسراً. وهنا صلب الموضوع، لانه من ابرز مهمات الهيئة الوطنية، انها تتمتع بالصلاحيات اللازمة للبحث عن المفقودين، تحديد أماكن وجودهم، جمع الأثار والرفات ومنح الهيئة صلاحية الكشف عن المقابر الجماعية وحمايتها وإجراء الفحوصات المخبرية. ففي المحصلّة، اعطى قانون المخفيين قسرا الهيئة الوطنية للمفقودين والمخفيين "حق تعقب أثر جميع المفقودين قسرا، أينما كانوا، وجلاء ملابسات الإخفاء وإعادتهم أحياء أو أمواتا". فكيف يمكن الانتقال من الشق النظري الى الناحية العملية؟ ينطلق النائب السابق غسان مخيبر من عنوان عريض "هكذا يقفل ملف المعتقلين والمخفيين"، ليعدّد الخطوات المطلوبة: "اولا، تقصّي أثر المختفي، جلاء كل الملابسات التي رافقت حالات التوقيف والإخفاء، تحديد الجهة المسؤولة عن هذه الجريمة، السعي إلى إعادة الأحياء، واستعادة رفات من يثبت وفاته، وإقفال الملف". هكذا، يقفل الملف نهائيا، بلا جراح ولا ندوب. ولا شك، انه بعد المرحلة الجديدة في سوريا، يمكن ان يفتح المجال واسعا امام هذا العمل الجدّي... والمطلوب.