عندما تناثرت "الشمس كلها في وجهي"، أدركت سريعاً بأن ما بين يدي، ليس مجرد كتاب، بل قلب يوسف بزي وروحه وقد نقشهما حروفاً في قصائد. منذ الصفحة الأولى، وجدت نفسي أمام صوت لا يتصنع الحزن أو يتاجر به، بل ينسجه شعراً بلغة البحر والأزهار الليلية، لأكتشف يوسف كما لم أعرفه من قبل. يهرب يوسف، بجسده لا عينيه. يقود سيارته "شمالاً هارباً من بيروت بيدين مرتعشتين... المطر يضرب الآرمات والطريق الزلقة" لكن عينيه "تبصران اللامرئي". مشهد يختصر كل لبناني، حين يلقى نفسه بلا واقع، أسيراً في ذاكرة. في قصيدة "وادي الظلال" لا يرثي يوسف موتاه، بل يمشي معهم. يلتفت يمنة فيرى أمه، ويسرة أباه. الموت عنده ليس نهاية، هو بيننا تارة يجر "تيساً أسود" وأخرى "يصلح سيارته المعطلة". هكذا هو يوسف، لا يكتب عن الحرب وقتلاها، بل يعيشها ليحيكها قصائد وحروف، وكأنها قنابل موقوتة انفجرت في جيل كامل. هذا فن الربط بين الخاص والعام. في ثانية، ينقلك يوسف من نهر الكلب إلى غزة، وفي أخرى من مطاردة "المخابرات السورية" إلى سماع "أغنية الدبابات" لتستيقظ من المنام وتجد نفسك "من غير اهتداء إلى نهاية". ما يميز "الشمس كلها في وجهي"، هو أنه يحتضن بين دفتيه جمال التفاصيل وشجاعتها، لا العموميات الكبرى. يقدم لنا حياتنا في صورة "كاسيتات محطمة"، و"سلسلة فضية تحمل رأساً"، أو "تابوتاً وصل بالشحن الجوي"، وفي هذه التفاصيل الصغيرة يسكن حزن كبير. لغة يوسف قوية ببساطتها حد الوجع، بلا فلسفة ولا تنميق متكلف. "لقد أضاعوا/لقد أضعتُ"، يقولها معطرة برائحة "بساتين الليمون". تعيش ذكرى "النزهات المقدسة للمراهقين"، تتحدث عن "دكاكين الشواء". هذا ليس مجرد تعداد للمفردات، إذ تتكثف المرارة حين "الأرواح تبقى على السجادة والبلاط وتحت الدرج، بعد سحب الجثث"، و"يكون ليل مغلق فوق البنايات"، والكره ثخين دبق على الأرصفة، "وصولاً إلى أعلى المآذن". عندما يتكسر الماء على صخرة من الوجع، ويتجول الأذى طوال سنوات غابرة، يصير الشعر بسخونة الفحم ليغزل حكاية وطن تائه بأكمله، سجّادة من كلمات. لكن رغم كل هذا الظلام وامتلاء الحرية بالغبار، حوّل يوسف الألم إلى قصيدة، والفقد إلى مشهد مسرحي في منامات الحالمين. "الشمس كلها في وجهي" ديوان جديد ليوسف بزي، كابوس جمعي يصعقه الشاعر بشمسه. وطن موجوع حتى اندثار البكاء. أرواح ابتلعتها الحرب. لكن قصائده أمل يتسلل كـ"صوت ليلي حيث العاصفة تحاور الكهوف"، رغم أن "الحقيقة تبقى متعذرة"..