مع اقتراب المهلة التي حدّدتها الحكومة العراقية للميليشيات الموالية لإيران لتسليم أسلحتها، توحي التطورات بانتقال الملف تدريجياً من التصريحات إلى خطوات ميدانية. إلا أن ما يجري قد لا يشكل تفكيكاً فعلياً للنفوذ الإيراني، بل انتقالاً من الميليشيات الكبيرة والظاهرة إلى خلايا صغيرة وسرية يصعب تعقبها. وبحسب تقرير للدكتورة زوي ليفورنيك في مركز "ألما"، تطالب حكومة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي بوضع السلاح في يد الدولة، فيما جرى تحديد 30 أيلول موعداً لانتهاء وجود قوات التحالف الدولي في العراق. لكن بعض التنظيمات الأكثر ارتباطاً بالحرس الثوري، وفي مقدمها "كتائب حزب الله" و"النجباء"، لا تزال ترفض التخلي عن قدراتها العسكرية المستقلة. ونقل تقرير لقناة "الحرة"، استناداً إلى مصادر أمنية عراقية، أن الحرس الثوري أنشأ شبكة من الخلايا السرية، تضم كل منها بين 5 و10 عناصر اختيروا من الميليشيات الكبرى وتلقى بعضهم تدريبات في إيران. وتعمل هذه الخلايا بصورة منفصلة وترتبط مباشرة بالبعثة الإيرانية في العراق، بعيداً عن القيادات المحلية. وبحسب التقرير، شارك أفراد من هذه الشبكة في هجمات بمسيّرات استهدفت أربيل ومواقع في السعودية والأردن والكويت. ويتحركون بغطاء مدني، ويستخدمون سيارات عادية وينقلون المسيّرات بين مواقع مختلفة لتصعيب اكتشافها. وإذا صحت هذه المعلومات، تكون طهران مستعدة لتقليص ظهور الميليشيات ودمج بعضها في مؤسسات الدولة والسماح بتسليم جزء من أسلحتها، شرط الاحتفاظ بنواة سرية مرتبطة بالحرس الثوري وقادرة على تنفيذ الهجمات وعمليات التخريب والردع. وتعزز هذا الاحتمال معلومات تحدثت عن بحث رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف، خلال زيارته بغداد، اقتراحات تقضي بتجميد الأسلحة الثقيلة أو إخفائها ونقل بعضها مؤقتاً إلى إيران. وبذلك، تحصل الحكومة العراقية على إنجاز ظاهري، فيما تبقى القدرات محفوظة وقابلة للاستعادة عند تغير الظروف. في المقابل، تحدثت تقارير عن تسليم إحدى الميليشيات نحو 20 مسيّرة إيرانية الصنع وصواريخ يتجاوز مداها 100 كيلومتر إلى الحكومة قرب بغداد، بحضور ممثلين أميركيين. إلا أن هوية الفصيل لم تُكشف، كما لم تعلن بغداد حجم ترسانته المتبقية، ما يمنع التأكد مما إذا كانت الخطوة تفكيكاً جدياً أم إجراءً محدوداً لتجنب العقوبات الأميركية. ورغم أن الحكومة العراقية خففت لهجتها، وانتقلت من الحديث عن "حصر السلاح" إلى "تنظيمه"، فإنها تواصل المفاوضات لتجنب مواجهة داخلية. وقد يسمح هذا المسار للفصائل بالمماطلة وإخفاء الأسلحة والحفاظ على سلاسل قيادتها تحت غطاء قانوني أو رسمي. لكن التجربة العراقية، حتى لو نجحت جزئياً، لا تصلح نموذجاً جاهزاً للبنان. فالميليشيات العراقية موزعة بين عشرات التنظيمات ذات القيادات والمصالح المختلفة، ويمكن للحكومة استمالة بعضها وعزل البعض الآخر. أما حزب الله، فهو تنظيم مركزي يجمع القوة العسكرية والحزب السياسي والشبكة الاجتماعية تحت قيادة واحدة. كما أن حزب الله يمثل أهم الأصول الاستراتيجية التي بنتها إيران خارج حدودها، ويمنحها قدرة عسكرية مباشرة من ساحة ملاصقة لإسرائيل. لذلك، فإن استعداد طهران لتقليص ظهور بعض الميليشيات العراقية لا يعني استعدادها للتخلي عن القوة العسكرية للحزب. ولم يُظهر حزب الله بدوره استعداداً حقيقياً لنزع سلاحه، بل يربط أي نقاش بانسحاب إسرائيل ووقف الهجمات وتحقيق مجموعة من الشروط الأمنية والسياسية. وحتى إذا تحقق أحدها، يبقى قادراً على إضافة شروط جديدة، كما تفعل الفصائل العراقية. لذلك، لا يُقاس النجاح بإخفاء السلاح أو تغيير أسماء التنظيمات ودمجها شكلياً، بل بنقل الأسلحة وسلسلة القيادة وقرارَي الحرب والسلم إلى الدولة. وهذا تحديداً ما لا توجد حتى الآن أي مؤشرات إلى استعداد حزب الله أو إيران لقبوله.