في 16 حزيران 1964 تلقى الرئيس فؤاد شهاب من الجنرال شارل ديغول رسالة يقول له فيها: إني كنت شديد التأثر برسالة التعاطف والصداقة التي وجهتها إلي، وإني أشكرك عليها. وقد زاد من شعوري بذلك كون رسالتك، كما أحببت أن تذكرني، إنما جاءت من رفيق سلاحٍ قديم. "وإني تلقيتها كشهادة جديدة وغالية على عمق شراكة الفكر والعاطفة التي تجمع بين بلدينا في تقاسم الثقافة إياها والمثل الأعلى إياه." "لقد أحببت أن تبلغني قرارك بعدم قبول التجديد لولايتك، بالرغم من المطالبات العديدة والحثيثة التي وُجهت إليك. وإن الكثيرين في فرنسا وفي لبنان يأسفون بشدة لهذا القرار، مع الاحترام لعوامله العالية. "فمنذ ست سنوات، وسط الوحدة الوطنية التي أعدت تأكيدها، فإنك عرفت، سيدي الرئيس، أن تحافظ على لبنان في دعوته (sa vocation) التي جعلت منه نموذجاً للتواصل والاعتدال وسط هذه المنطقة من الشرق الأوسط المضطربة في أحيانٍ كثيرة، وإنك تعرف كم أن فرنسا الصديقة داعمة ومشجعة لهذه الدعوة." ويتابع ديغول في رسالته تعابير الصداقة والتعاطف مع الرئيس شهاب ولبنان. فقد كانت تلك رسالة جوابية لرسالة فؤاد شهاب إليه، ليكون ديغول أول من يبلغه بقرار رفضه لتجديد ولايته عام 1964 علماً بأن الرئيس شهاب كان قد أبلغ ديغول بقراره في شهر شباط 1964 بما يدلّ على أنه اتخذ قراره منذ زمنٍ طويل. حدث ذلك في أواسط ستينات القرن الماضي، وفؤاد شهاب كان أول العارفين، بصفته قائداً سابقاً للجيش، أنه في صيف 1958 نزل مشاة البحرية الأميركية على شاطئ الأوزاعي، بناءً لطلب الرئيس كميل شمعون الذي سبق وانضم إلى مبدأ آيزنهاور القاضي بمساعدة دول المنطقة على مجابهة الخطر السوفياتي، وذلك في فترة ما عرف يومذاك بـ"أحداث 1958"، في التاريخ ذاته الذي شهد يومذاك انقلاب العراق وسقوط الملكية فيه. إذ بالرغم من حضور أميركا في لبنان بهذا الشكل فإن فؤاد شهاب اختار الرئيس شارل ديغول، صديقه وصديق لبنان ليبلغه بقراره، باعتباره مرجعاً صديقاً. يومذاك لم يكن قد مضى على استقلال لبنان أكثر من واحدٍ وعشرين عاماً. وخروج آخر جندي فرنسي حصل في آخر يومٍ من عام 1946. إذ كانت فرنسا لا تزال حاضرة بقوة بمختلف الأشكال، وذكر الرئيس بشارة الخوري في مذكراته أنه والرئيس السوري شكري القوتلي عندما كانا يلتقيان في الاجتماعات العربية يتحدثان فيما بينهما بالفرنسية. ولكن على ضوء أوضاع اليوم، هل غابت فرنسا. هل فرنسا الحاضرة منذ عقودٍ وسنوات حتى لا نقول منذ أجيال هي اليوم في مرحلة الابتعاد عن لبنان بسبب حصر الجهود اللبنانية بالأميركي واعتبار أن لقاء دونالد ترامب في 21 تموز الماضي كان تاريخياً؟ بالطبع الجميع يعرف أن واشنطن هي راعية اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل، وأنها وحدها قادرة على لجم إسرائيل في اعتداءاتها القاتلة والمدمرة، وهو ما لم يحصل نهائياً حتى اليوم. إذ أن لأميركا مصالح وسياستها كما هو معروف تقوم على "المصلحة الحيوية" فكيف إذا كان أمام دونالد ترامب استحقاق انتخابات نصفية بعد ثلاثة أشهر، وكذلك أمام رئيس وزراء إسرائيل. ليس هذا موضوع البحث، ومن مصلحة لبنان أن يبقي علاقاته وثيقة مع واشنطن. ولكن إذا كانت إسرائيل غاضبة على فرنسا لأنها تعاطفت مع المطلب الفلسطيني بإنشاء دولة فلسطينية، انسجاماً مع تاريخها، وهي دولة الوفاء للحق وللقيم، ومع المطلب العربي الشامل وكذلك مع عدد كبير من الدول. فهل أن الغضب الإسرائيلي على دولة كبرى مثل فرنسا، وهي عضو في مجلس الأمن الدولي ومن أبرز المؤسـسين للاتحاد الأوروبي، ولها حضورٌ واسع وفعال في أرجاء العالم، يجب أن ينسحب علينا، وعلى لبنان حتى يُفرض عليه عدم إشراك فرنسا في القوات البديلة للطوارئ الدولية. إن إبعاد فرنسا عن الاشتراك في القوات الدولية التي يجري الحديث بشأنها لم يكن في الأساس مسؤولية لبنانية. فإذا كانت إسرائيل تمارس الاحتلال بمختلف أشكاله فهل أنها وصية على القرار السيادي اللبناني. وإذا كانت واشنطن صامتة في هذا الشأن ربما لأسبابٍ متعلقة بها، فهل أن لبنان موافق على هذا الصمت في ما بقيَ له من سيادة. فأصحاب القرار يعرفون من دون شك أن معظم ما عند لبنان اليوم هو إرثٌ فرنسي. فرنسا تركت لنا الإدارة العامة والقضاء والقانون والاجتهاد والجامعات والمدارس والمستشفيات والثكنات وحتى لمن يجهل ذلك تركت لنا مبنى مجلس النواب. والأغلى من ذلك أنها تركت لنا الصداقة المجردة. فرنسا والفرنسيون يحبون لبنان لمجرد أنه بلدٌ في الشرق فتح أبواب الشرق أمامها، وشعبه المتنوع حرٌّ مضياف وهانئ. وذلك قبل أن تدخل الأيدي العابثة عبر تلك الأبواب، من دمشق القريبة إلى طهران البعيدة. ففرنسا تعرفنا كما يُقال "بالكبيرة والصغيرة" وهي في مختلف أحوالها مع لبنان ماضياً وحاضراً. منذ ما قبل شارل ديغول وبعده، إلى فرنسوا ميتران، إلى جاك شيراك الذي أقام مع الرئيس رفيق ال