التحذيرات من مخاطر الذكاء الاصطناعي ليست جديدة، ولا يعني تقارب مواقف داريو أمودي وسام ألتمان وإيلون ماسك أن قادة الصناعة اكتشفوا فجأة خطراً لم يكن معروفاً. ما تغيّر خلال الأشهر الأخيرة هو تراكم إشارات أكثر وضوحاً إلى ما قد يحدث عندما تنتقل النماذج من الإجابة عن الأسئلة إلى تنفيذ مهمات طويلة، واستخدام الأدوات، والبحث عن الثغرات، والتعامل مع أنظمة حقيقية بقدر أكبر من الاستقلالية. هذه الإشارات لا تثبت أن الذكاء الاصطناعي خرج عن السيطرة. بعض الوقائع حدث في بيئات اختبار، وشملت حالات خُففت فيها وسائل الحماية أو عُطلت لأغراض التقييم، بحسب تقارير "أوبن إيه آي" ومعهد أمن الذكاء الاصطناعي البريطاني AISI، فيما ارتبطت حوادث أخرى بأخطاء في إعداد بيئات الاختبار، وفق "أنثروبيك". وما تكشفه هذه الحالات هو أن النماذج باتت قادرة، في ظروف محددة، على تنفيذ خطوات والوصول إلى أنظمة وأدوات خارج نطاق المهمة المقصودة. ومن حوادث "أوبن إيه آي" و"أنثروبيك"، مروراً بتطور القدرات السيبرانية، وصولاً إلى المخاطر البيولوجية، تتراكم إشارات تساعد في تفسير ارتفاع مستوى الحذر مع تطور قدرات النماذج. اختبار "أوبن إيه آي" يصل إلى أنظمة حقيقية إحدى أبرز الإشارات ظهرت في تموز/يوليو 2026، خلال تقييمات داخلية للأمن السيبراني أجرتها "أوبن إيه آي". تجاوزت نماذج للشركة ضوابط صُممت لعزلها عن الإنترنت، ووصلت إلى أجزاء من البنية البحثية الداخلية لـ"أوبن إيه آي" وأنظمة تابعة لمنصة "هاغينغ فايس". وقالت "أوبن إيه آي" في تقريرها اللاحق إن النماذج كانت تعمل في ظروف اختبار خُفف فيها بعض وسائل الحماية، واتخذت إجراءات لم تتوافق مع أهداف المهمات الموكولة إليها. تضمنت هذه الإجراءات استخدام قنوات اتصال غير مصرح بها، واستغلال ثغرات في بنية مشتركة، والوصول إلى الإنترنت وأنظمة تابعة لجهات خارجية. وتمكنت النماذج من تشغيل شيفرة على عشرات خوادم "هاغينغ فايس"، والحصول على صلاحيات root كاملة على أحدها. وأكدت "أوبن إيه آي" أن بيانات العملاء ووظائف منتجاتها وتوافرها لم تتأثر. وكان النموذج الذي قاد الجزء الأساسي من الاختراق نموذجاً بحثياً داخلياً لم يكن مخصصاً للإطلاق العام. ووصفت "أوبن إيه آي" الحادثة بأنها "طلقة تحذيرية"، معتبرة أنها أظهرت قدرة وكلاء متقدمين، في غياب وسائل حماية كافية، على تجاوز ضوابط تقنية واستخدام قنوات غير معتمدة واتخاذ إجراءات خطرة لم يوجّه إليها إنسان. دلالة الواقعة ليست أن نموذجاً "هرب"، فهذا ليس ما تقوله "أوبن إيه آي". ما حدث أكثر تحديداً أن نماذج كانت تحاول إنجاز مهمات تقييمية، ولجأت إلى استراتيجيات لم تتوافق مع أهداف تلك المهمات، واستغلت ثغرات للوصول إلى الإنترنت وأنظمة خارجية. وهذا النوع من السلوك يصبح أكثر حساسية كلما مُنح الوكيل أدوات وقدرات أوسع. "أنثروبيك" تكتشف أربع حوادث مع "كلود" ظهرت إشارة أخرى لدى "أنثروبيك". في تقييم نشرته الشركة في 9 أيلول/سبتمبر، كشفت أربع حوادث حصلت فيها نماذج "كلود" على وصولٍ غير مصرح به إلى أنظمة حقيقية تابعة لجهات خارجية خلال تقييمات للأمن السيبراني. بدأت "أنثروبيك" بمراجعة نحو 141 ألف سجل اعتقدت أن "كلود" ربما استطاع خلالها الوصول إلى الإنترنت أثناء تقييمات سيبرانية، واكتشفت ثلاث حوادث. وخلال إعداد سجلات لمشاركتها مع منظمة METR، عثرت الشركة على مجموعة أخرى كان فيها الوصول إلى الإنترنت ممكناً، واكتشفت حادثة رابعة تعود إلى كانون الثاني/يناير 2026. بعدها وسعت البحث ليشمل نحو 481 مليون سجل من فريق الاختبارات المتقدمة لديها، وتقييمات غير سيبرانية، وبيئات التعلم المعزز، وسجلات الوكلاء الفرعيين ومصادر أخرى. النتيجة تحتاج إلى قراءة دقيقة. لم تجد "أنثروبيك" دليلاً على أن "كلود" طور هدفاً مستقلاً يتجاوز المهمة الأصلية. وفي الحوادث الأربع، كان الوصول إلى الإنترنت ممكناً بسبب خطأ في إعداد بيئة تقييم تابعة لطرف ثالث، فيما كانت النماذج تعمل عمداً من دون وسائل الحماية السيبرانية المعتادة لأغراض التقييم. وأكدت "أنثروبيك" أن سلوك النماذج بقي ضمن نطاق ضيق مرتبط بمحاولة حل التمارين الموكولة إليها، وفي جميع الحوادث عملت كل نسخة من "كلود" بصورة منفردة. وهنا يتغير مفهوم السلامة. الاعتماد على الحواجز التقنية وحدها قد لا يكون كافياً؛ هذه الوقائع تثير أيضاً سؤالاً حول الطريقة التي تتصرف بها النماذج إذا فشلت إحدى طبقات الحماية أو أُعدت بيئة الاختبار بصورة خاطئة. القدرات السيبرانية تتقدم بسرعة لا تأتي الإشارة الثالثة من حادثة منفردة، بل من تطور قدرات النماذج نفسها. وقال بنك التسويات الدولية BIS إن نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة تستطيع اكتشاف ثغرات حرجة بصورة مستقلة، وتطوير وسائل فعالة لاستغلالها، وتنفيذ عمليات إلكترونية متعددة الخطوة تزداد تعقيداً.