سرديات الحرب المتناقضة والتضليل يلاحقان الناخب اللبناني أظهرت ثلاث دراسات أعدتها "الجمعية اللبنانية من أجل ديموقراطية الانتخابات" (لادي)، بالتعاون مع منصة "صواب"، وبدعم مالي من مؤسسة "هينرش بل" الألمانية، أن المعلومات المضللة التي انتشرت خلال الحرب ساهمت في إعادة إنتاج سرديات التخوين والتهديد والانقسام الطائفي في لبنان، وسط مخاوف من استمرار تأثيرها في الرأي العام والمواقف السياسية والانتخابية. ورصدت الدراسات الخطاب المتداول خلال شهري آذار/مارس ونيسان/أبريل 2026، وركزت على المعلومات المضللة والسرديات التي رافقت الحرب، ودورها في تشكيل النقاش العام وتعزيز الانقسامات، انطلاقاً من أن تأثير المعلومات التي يتعرض لها الناخب لا يقتصر على فترة الحرب، بل يمكن أن ينعكس لاحقاً على خياراته السياسية والانتخابية. وترتبط نزاهة الانتخابات بالبيئة التي يتكون فيها رأي الناخب والمعلومات التي يبني عليها خياره. وقالت الأمينة العامة لـ"لادي" ريما الأدهمي في حديث لـ"المدن" أن "الانتخابات الديموقراطية تعني أن تكون الانتخابات نزيهة، وأن يكون لدى الناخب رأي حر يستطيع من خلاله اتخاذ قراره الانتخابي. لكن عندما يكون هناك تضليل إعلامي وأخبار كاذبة وتحريض، يؤثر ذلك سلباً في تكوين رأيه السياسي". وأضافت الأدهمي: "كيف يمكن للناخب أن يختار برنامجاً أو جهة سياسية فيما الصورة التي كونها عنهما ليست صحيحة. الهدف ليس أن نحدد للمواطن ما هو الصح وما هو الخطأ، بل أن نبني مساراً يساعده على التمييز بينهما، وأن يعرف أين يقرأ خبراً وأين يقرأ رأياً سياسياً يفترض أن يحلله ويناقشه"، مضيفة أن المسار الانتخابي يرتبط بالتوعية والتثقيف، مما يبرز أهمية الإعلام المسؤول ودور الإعلاميين في نقل الأخبار، مع الحفاظ على حرية الرأي والتعبير والتعامل بمسؤولية مع الرأي العام. واعتمدت الدراسات رصداً عينياً خلال شهري آذار/مارس ونيسان/أبريل 2026، بهدف توثيق أنماط الخطاب التي برزت خلال تلك المرحلة وإتاحة مقارنتها بفترات لاحقة. وخلص الرصد إلى أربع سرديات أساسية: التخوين والمؤامرة، والانتماء الطائفي والهوية، والتهديد والتخويف الوجودي، والسخرية والتحريض ونزع الشرعية. وأظهرت النتائج أن الأخبار المضللة لم تصنع تلك السرديات من الصفر، بل أعادت تنشيط سرديات طائفية موجودة أصلاً، فيما ساهمت الحرب وطبيعة المنصات الرقمية في زيادة انتشارها وتأثيرها. وتحدث الدكتور روي الجريجيري، أستاذ علوم الإعلام والاتصال في "الجامعة اللبنانية"، عن أن "الخطابات الطائفية في السياق اللبناني باتت أكثر حدة بسبب البيئة الإعلامية الجديدة والخوارزميات، وبسبب الحرب أيضاً، حيث أصبح هناك ظهور أكبر للخطاب التحريضي وخطاب الكراهية ... وهو أمر غير صحي للمساحة العامة، خصوصاً على المدى الطويل". وحددت الدراسة مجموعة من العوامل التي تساعد على تضخم هذه السرديات رقمياً، من الخوارزميات و"فقاعات الترشيح" (Filter Bubbles)، إلى الحسابات المجهولة وطبيعة التفاعل مع المحتوى. بالتالي، لا يكون المحتوى الأكثر انتشاراً بالضرورة الأكثر دقة، حيث تساهم طبيعة التفاعل على المنصات ربما، في زيادة انتشار المحتوى الذي يثير الخوف أو الغضب والانقسام. ورأى الجريجيري أن "مواقع التواصل الاجتماعي سلاح ذو حدين. حيث أعطت مساحة أكبر لحرية التعبير، لكنها في الوقت نفسه أتاحت لهذه السرديات مساحة أوسع للانتشار". ولا يقتصر تأثير ذلك على الاستقطاب، بل أشار الجريجيري إلى انعكاساته على الشباب لأن هذا المناخ "يؤثر على الجيل الشاب وربما يدفعه إلى الانسحاب من المساحة العامة والحياة السياسية بشكل عام". وخلال الحروب تزداد صعوبة التحقق من المعلومات، مع سرعة الأحداث وكثافة تداول الأخبار والصور والخرائط والروايات المتضاربة، ما يوفر مساحة أكبر لانتشار المعلومات المضللة. ووصفت الشريكة المؤسسة في منصة "صواب" غدير حمادي تلك الظاهرة بالقول: "مثلما هناك مواسم للصيف والخريف والشتاء، هناك أيضاً مواسم للأخبار الزائفة، وللأسف كانت الحرب أرضاً خصبة لهذه الأخبار التي تحول بعضها إلى خطاب كراهية". وأوضحت حمادي أن أهمية الدراسات تكمن أيضاً في التوثيق، باعتبار أن "الدراسات تشكل نوعاً من المرجعية لما حصل خلال هذه الفترة"، بما يسمح بالعودة إليها ومقارنتها بمراحل لاحقة لفهم الأخبار المضللة وأنماط انتشارها. وامتدت فترة الرصد من 2 آذار/مارس حتى 17 نيسان/أبريل 2026، في مرحلة كان النزوح فيها أحد أبرز التحديات، إلى جانب الخرائط الإسرائيلية والمعلومات المرتبطة بها التي كان يصعب تتبعها خلال الاعتداءات الإسرائيلية. وقالت حمادي إن "النزوح كان أحد أكبر تحديات الرصد، وكذلك الخرائط التي كانت إسرائيل تنشرها والتي لم يكن من السهل التعامل معها أو قراءتها". وأمام هذا التدفق من المعلومات، وضعت حمادي التفكير النقدي