في علْم النشُوء والارتقاء، أَنَّ الكائناتِ الحيَّةَ تنمو ما دامت الحاجةُ إِليها، حتى إِذا انتفَت هذه الحاجة راحت تَضْمُرُ حتى تذوب.. هكذا اللغة، كأَيِّ كائنٍ حيٍّ، تنمو ما دامت على أَلْسُن الناس وأَقلامهم، حتى إِذا تضاءَلَ تداوُلُها، راحت تذوي كلماتُها وعباراتُها وأَلفاظُها، لتنمو مكانها كلماتٌ وعباراتٌ وأَلفاظٌ جديدة بنْتُ عصرها، تجدِّدُ دمَ اللغة كي تبقى سائغةً للتداول.. إِن كان من معنى لِما يُسمَّى "عصر النهضة" (اصطلاحًا: مطلع القرن التاسع عشر) فأَنه حاول التجديد في اللغة (الأَفكار مطروحة للجميع إِنما الأَهمُّ "كيف" نعبِّر عنها)، إِنما بقيَ فيها عتيق من عصر الانحطاط، بقي يتناسل سنواتٍ بعده تَنفي عنه تسمية "عصر النهضة".. أَما فجرُ "النهضة" الحقيقيُّ، فأَطلَّ من بعيد، من خلْف المحيط، من نيويورك سنة 1920 مع تأْسيس "الرابطة القلمية"، وفي رأْس دعوتها تجديدُ اللغة أَساسًا للتجدُّد: "... أَصبحنا لا نرى من الأَدب إِلَّا لباسه الخارجيّ، فالأَديبُ الأَديب من أَجادَ في تقليد الأَقدمين بتراكيبهم وأَساليبهم اللغوية" (من مقدِّمة نظام "الرابطة" كما صاغَه كبيرُنا ميخائيل نعيمة رافضًا بشدَّةٍ استمرارَ تقليدِ الأَقدمين).. من هنا مقولةُ أَدونيس إِنَّ "جبران بَشيرُنا إِلى نهضة الأَدب، وهو مؤَسسُ رؤْيا الحداثة والرائدُ الأَول في التعبير عنها".. وعباراتُ "البشير" و"الرؤْيا" و"الريادة"، تُضْمر وُجْهةً واحدة: اللغة.. هي المنطلَق وهي المآل..