في جلسته الأخيرة أقرّ مجلس النواب سلسلة من القوانين غير العادية من حيث موضوعاتها وأهميتها والنقاش الحادّ الذي رافقها. قانون جديد للإعلام، وتعديل لقانون إصلاح وضع المصارف وإعادة تنظيمها، وقانون للعفو العام، إلى جانب نصوص أخرى طال انتظارها لسنوات. وهذه القوانين غير المترابطة من حيث المواضيع يجمع بينها قاسم مشترك هو أنها أقرّت في جلسة واحدة وفي توقيت لم يكن مضبوطًا على ساعة الحاجة التشريعية الملحّة إنما على إيقاع الضغوط الداخلية والخارجية. الحاجة إلى إصلاح القطاع المصرفي لم تبدأ مع صندوق النقد الدولي بل من رحم أزمة مالية مصرفية غير مسبوقة اندلعت في العام 2019، كما أن الحاجة إلى قانون حديث للإعلام لم تولد مع الاهتمام الدولي به بل مع الفراغ التشريعي الذي يظلّل هذا القطاع وعجز التشريعات القديمة عن مواكبته، ومشكلات السجون والمحاكمات والسياسة العقابية التي استدعت العفو ليست مستجدة بل تعود إلى سنوات من التعطيل في مرفق العدالة. كلها قضايا لبنانية قديمة، تعرف السلطات ويعرف الناس ضرورتها ولكنها لم تصبح أولوية للإقرار إلّا حين تحّولت إلى مطالب أو شروط أو مواضيع اهتمام في الخارج. المشكلة ليست في التدخل الخارجي بل في السلطات الدستورية اللبنانية التي تنتظر التدخّل وتنحني له. فمن الطبيعي أن يشترط صندوق النقد إصلاحات قبل أن يموّل، وأن تربط الدول المانحة مساعداتها بمعايير تعتبرها ضرورية، وأن تنتج الاتفاقيات الدولية التزامات تشريعية على الدول المنضمة إليها. وفي المبدأ ليس في الاستعانة بالخبرة الدولية أو بالقانون المقارن أي انتقاص من السيادة، بل على العكس إن التشريع ليس نشاطاً وطنياً منغلقاً والأخذ بالتشريعات الحديثة بعد لبننتها أمر مطلوب. لكن المشكلة تكمن عندما تنتقل المبادرة التشريعية إلى الخارج، وعندما يصبح الضغط الخارجي هو الذي يحدد للمشرع اللبناني أولوياته. المثال الأوضح هو القطاع المصرفي، لأنه منذ الانهيار في العام 2019، عرف الجميع أن معالجة الأزمة تحتاج إلى تشريعات استثنائية وعميقة. ومرّت سبع سنوات خسر خلالها المودعون معظم أموالهم، وتغيرت أحوال المصارف والاقتصاد، وتعددت الخطط والمشاريع والاقتراحات، ولكنّ النصوص التشريعية بقيت تتقدم وتتراجع إلى أن أصبحت بعض التشريعات المطلوبة جزءاً معلناً من شروط التفاوض مع صندوق النقد. التشريع الإعلامي حاجة فرضتها تحولات هائلة أصابت المهنة ووسائل النشر والتواصل، والعفو العام، أياً يكن الرأي في أحكامه، جاء بعد تراكم مزمن لمشكلات السجون والتوقيف والمحاكمات والسياسة الجزائية. أسباب الإقرار وتوقيته والضغوط التي أملته قد تختلف بين قانون وآخر، لكن النتيجة واحدة وهي أن التشريعات تبقى معلقة إلى أن تأتي اللحظة التي يصبح فيها عدم التشريع أكثر كلفة من التشريع على الجهات السياسية الممسكة بقرار الدولة.ليس القانون المطلوب خارجياً سيئا لمجرد أنه مطلوب من الخارج. فقد يكون ضرورياً، وقد يكون تأخر إقراره هو الخطأ أصلًا. كما لا يجوز استعمال السيادة ذريعة لرفض الإصلاح أو للهروب من التزامات الدولة. والمشكلة ليست في وجود صندوق النقد والدول والمنظمات التي تمارس الضغط لإقرار القانون أو ترحّب بإقراره، إنما في أن الدولة لا تتحرك مؤسساتها عندما تتطلب المصلحة العامة ذلك بل تخضع للضغوط والإغراءات. السيادة التشريعية لا تعني فقط أن مجلس النواب هو المؤسسة الدستورية التي تسن القوانين وفقاً للدستور، ولا أن النواب أحرار في تقديم الاقتراحات والتصويت عليها. هذه السيادة بالمعنى الشكلي وليس الفعلي. فقد يكون القرار لمجلس النواب في إدخال النص في الانتظام القانوني عبر إقراره، لكن المبادرة الفعلية في مكان آخر.