استهدفت بريطانيا بتدابيرها الجديدة اقتصاد المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، وحظرت استيراد سلع تقدر صادراتها إلى السوق البريطانية بنحو 45 مليون دولار. وجاء الرد الإسرائيلي بعيداً من التجارة، ليصيب الحضور البريطاني الذي يتعامل مباشرة مع الفلسطينيين. في اليوم نفسه، أعلنت إسرائيل إغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية، ووقف تدريب قوات السلطة الفلسطينية، وإخراج لندن من مركز تنسيق غزة. وفي اليوم التالي، أمهلت القنصلية 30 يوماً للإغلاق، لتنقل المواجهة من سلع المستوطنات إلى القدس ورام الله وغزة. عملياً، استهدفت إسرائيل بريطانيا بأدوات يمر جزء مهم من تأثيرها عبر الفلسطينيين والقنوات الدولية المرتبطة بهم. وبينما تبدو بعض الوظائف البريطانية قابلة للتعويض عبر رام الله وعمان وشركاء دوليين آخرين، يطرح إغلاق القنصلية احتمال خسارة قناة سياسية وديبلوماسية يصعب استبدالها بالسهولة نفسها. ويتتبع التقرير حجم الضرر الفعلي الذي يمكن أن تسببه الخطوات الإسرائيلية، وما يمكن تعويضه، وما إذا كان الرد سيبقى أداة ضغط موقتة أم يتحول إلى تفكيك طويل الأمد للحضور البريطاني المرتبط بالفلسطينيين. لا تقتصر القنصلية في الشيخ جراح على الخدمات القنصلية، إذ تمثل، بحسب الحكومة البريطانية، لندن في القدس والضفة الغربية وغزة، بصورة منفصلة عن السفارة لدى إسرائيل. ويخفض إغلاقها مستوى الاتصال المباشر مع السلطة والمجتمع المدني والمتابعة الميدانية، من دون أن يوقف تلقائياً خطة الدعم البريطانية البالغة 116 مليون جنيه إسترليني في 2025-2026، إذ ينفذ جانب منها عبر مؤسسات دولية. ويرى مدير "مجلس التفاهم العربي البريطاني" كريس دويل، أن التدابير البريطانية تمثل "تحولاً نوعياً" من إدانة الاستيطان إلى خطوات عملية، بعد إعلان لندن أنها تعتبر الاحتلال الإسرائيلي المستمر للأراضي الفلسطينية غير قانوني، في انسجام مع الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر في تموز/يوليو 2024. وبحسب دويل، أيد أكثر من 246 نائباً بريطانياً التحرك علناً، فيما أظهر أحدث استطلاع أجرته "يوغوف" تأييد 50% من البريطانيين للحظر ومعارضة 16%. وهو يستبعد أن تدفع الإجراءات الحكومة الإسرائيلية إلى تغيير سلوكها، ويرى أن ردها "سيضر بالفلسطينيين أكثر بكثير مما سيضر ببريطانيا"، سواء عبر إغلاق القنصلية أو تعطيل التدريب أو تقليص قدرة لندن على متابعة ملفات المساعدات ميدانياً. ويضع أستاذ القانون الفخري في "جامعة ويسترن" والمقرر الأممي السابق لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة مايكل لينك، الحظر ضمن التزامات الدول الثالثة التي حددها رأي المحكمة، ومنها التمييز بين إسرائيل والأرض المحتلة، ومنع التعاملات التي ترسخ الاحتلال، وعدم تقديم العون لاستمراره. لكنه يرى أن حظر السلع والخدمات وحده لا يكفي، ويدعو إلى وقف التبرعات والتمويل المصرفي المرتبطين بالمستوطنات. ويقول لينك لـ"النهار" إن إغلاق القنصلية يعرقل قدرة بريطانيا على تطوير علاقاتها مع دولة فلسطين، ويرى أن عدم تحدي القرار الإسرائيلي قد يُفهم على أنه قبول بالمطالبة الإسرائيلية بالسيادة على القدس الشرقية. كما يرفض حجة أن الحظر يضر بالعمال الفلسطينيين أكثر من إسرائيل، معتبراً أن الاحتلال والاستيطان والقيود العسكرية تلحق بالاقتصاد الفلسطيني ضرراً أكبر، وأن "اقتصاداً يخضع لاحتلال خانق ليس اقتصاداً بالمعنى الحقيقي". مستوطنتا إيتمار وإيلون موريه الإسرائيليتان كما تبدوان من قرية عقربا الفلسطينية جنوب نابلس. (أ ف ب) افتتحت القيادة المركزية الأميركية مركز التنسيق المدني العسكري في جنوب إسرائيل في تشرين الأول/أكتوبر 2025، لتنسيق المساعدات والتخطيط المرتبط بوقف النار والاستقرار في غزة، وشغل ضابط بريطاني برتبة لواء منصب نائب قائده. ويقول الاقتصادي الفلسطيني مؤسس مركز "بال ثينك" للدراسات الاستراتيجية عمر شعبان إن المركز في كريات غات يشرف على دخول المساعدات بالتنسيق مع الجيش والأجهزة الأمنية الإسرائيلية. ولا يتوقع شعبان، في حديثه لـ"النهار"، أن يؤدي إخراج بريطانيا وحده إلى تراجع مباشر في كمية المساعدات، لأن المركز لا يقدم الإغاثة بنفسه، ويتولى التنسيق ومنح الموافقات للمؤسسات الدولية ومتابعة دخول شحناتها. غير أن غياب الدولة التي شغلت موقع نائب القيادة يحمل دلالة سياسية، وقد يشجع دولاً أخرى على تقليص مشاركتها، بما يضعف تعددية المركز والرقابة الدولية على الإغاثة. أما وقف عمل فريق الدعم البريطاني في رام الله، فلا يعني فقدان أجهزة السلطة قدرة أساسية، بحسب الباحث البارز في "معهد واشنطن" المسؤول الفلسطيني السابق غيث العمري. ويقول لـ"النهار" إن التدريب البريطاني كان "مهنياً وفعالاً"، ويمكن لدول أخرى تقديم برامج مماثلة وفق المعايير المشتركة بين أجهزة الشرطة الغربية. ويرى ال