يوسف رجي ليس بشير الجميل، ولا يحتاج الرجل إلى أن يكون نسخة عن أحد. لكن عندما أراقب أداءه كوزير خارجية لدولة اسمها الجمهورية اللبنانية، لا كموظف علاقات عامة مهمته اختيار الكلمات التي لا تزعج أحداً، ولا كحامل حقيبة يسافر خلف الرؤساء، ولا كموفد ينتظر أن يعرف اتجاه الريح الإقليمية قبل أن يحدد اتجاه السياسة اللبنانية، وأسمع كلامه عن الدولة والسلاح والسيادة، وأرى المواجهات التي دخل فيها بسبب مواقفه، أجد نفسي أمام سؤال لا يفارقني أبداً،في أي جمهورية يتصرّف يوسف رجي؟ في الجمهورية اللبنانية التي عرفناها طويلاً، حيث القرار قابل للتفاوض، والسيادة وجهة نظر، وهيبة المؤسسات تتوقف عند حدود موازين القوى؟ أم في تلك الجمهورية التي أرادها الرئيس الشهيد بشير الجميل عندما اختصر مشروعه بفكرة لا تحتاج إلى مجلدات دستورية: دولة واحدة، جيش واحد، حكومة واحدة، ومصدر قرار واحد. ليست القضية يوسف رجي فهو ليس وزيراً فوق النقد، وليس المطلوب أن نصنع منه بطلاً قومياً، أو أن نمنحه حصانة سياسية، لأنه اتخذ مواقف نؤيدها، فليُحاسب ولينتقده خصومه وليختلف معه جبران باسيل، وحزب الله، وأي حزب أو مسؤول أو مواطن لبناني... هذه هي السياسة. لكن عندما يصبح النقاش حول وزير الخارجية أنه "يتشمّس" في أحد المجمعات ولا يذهب إلى وزارته، بينما الرجل يتعرض لتحذيرات أمنية دفعت إلى الحد من حركته ومتابعة جزء من عمله من منزله، يصبح من الضروري قلب السؤال رأساً على عقب. فلا تسألوا أولاً لماذا لم يذهب إلى الوزارة، إسألوا لماذا لم تستطع الدولة أن تجعل ذهابه إلى وزارته أمراً آمناً وطبيعياً. فالدولة التي تطلب من وزيرها اتخاذ مواقف سيادية ثم تعجز عن تأمين الحماية الكافية له عندما يصبح ثمن هذه المواقف تهديداً، لا يحق لها أن تحاسبه على عدد الساعات التي أمضاها خلف مكتبه، قبل أن تحاسب نفسها على عدد الساعات التي تركته فيها مكشوفاً. ونحن لسنا في بلد يستطيع أن يتعامل بخفة مع كلمة تهديد، فذاكرة لبنان مليئة بالإغتيالات من الرئيس الشهيد رينيه معوض مرورا بالرئيس الشهيد بشير الجميل الى دولة الرئيس الشهيد رفيق الحريري وصولا الى محمد شطح، ومن شهداء ثورة الأرز إلى لقمان سليم ومن ثم باسكال سليمان، فلبنان دفع أثماناً ثقيلة، وتعلّمنا بالطريقة الأكثر دموية أن الاستهزاء بالتهديدات قد تكون نهايته صورة سوداء وشريطاً عاجلاً وجنازة وطنية، ثم تحقيقاً يبحث بعد فوات الأوان عمّن كان يعرف وماذا كان يعرف، لذلك لا تسخروا من وزير يتحرك بحذر، احموه أولاً ثم افتحوا دفاتر الحضور والانصراف، أما تحويل النتيجة إلى تهمة وتجاهل السبب فليس نقداً سياسياً، إنه قلب للمعادلة. من يريد محاسبة الوزير فليحاسبه في السياسة. فقبل أيام كان يوسف رجي في القاهرة، في الدورة 166 لمجلس جامعة الدول العربية، ولم يكن على كرسي شمس، كان على مقعد لبنان، ولم يذهب إلى هناك لالتقاط الصورة التذكارية، قال كلاماً واضحاً، أدان الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة على لبنان، وطالب بانسحاب إسرائيل، وتمسّك بالقرار 1701 وبالمفاوضات والدبلوماسية طريقاً لوقف الاعتداءات. وفي الجلسة نفسها، لم يختبئ خلف نصف موقف، قال إن حزب الله جر لبنان إلى حربين متتاليتين، ودافع عن حصرية السلاح بيد المؤسسات الشرعية، وأعلن تضامن لبنان مع دول الخليج والأردن في مواجهة الاعتداءات الإيرانية، وهذه النقطة بالذات هي التي تستحق التوقف عندها، لأن يوسف رجي لا يقول إن سيادة لبنان تعني الوقوف ضد إيران لمصلحة إسرائيل، ولا يقول إن رفض إسرائيل يعني تسليم لبنان لإيران، يقول شيئاً أبسط من كل هذه الاصطفافات، يقول: أنا مع لبنان. هنا يدخل بشير الجميل إلى المقال... ليس لأننا نريد استحضار الماضي لاستفزاز أحد، بل لأن السؤال الذي طرحه بشير قبل أكثر من أربعة عقود، ما زال واقفاً أمامنا وكأن صاحبه طرحه صباح اليوم. هل في لبنان دولة واحدة أم دولتان؟ جيش واحد أم جيشان؟ قرار واحد أم قراران؟ لقد تغيرت الأسماء، تغيرت التحالفات، تغيرت المنطقة، سقطت أنظمة، وقامت أخرى، دخلت جيوش وخرجت جيوش، لكن السؤال بقي: من يملك القرار في لبنان؟ هذا هو جوهر جمهورية بشير الجميل، فلم تكن الجمهورية التي حلم بها دولة مسيحية في مواجهة المسلمين، ولم تكن دولة حزب يبتلع بقية الأحزاب، كانت في جوهر فكرتها نقيض الدويلة، أن تنتهي حدود الحزب حيث تبدأ حدود الدولة، وأن يصبح السلاح شرعياً عندما يكون في يد الشرعية، وأن يكون للبنان رأس واحد، عندما يتعلق الأمر بالسيادة، وهنا أفهم جيدا يوسف رجي، فالرجل يتصرف في وزارة الخارجية وكأن هذه الجمهورية قامت من بين الأموات بالفعل وهذه ربما تهمته الكبرى. لا شيء يشرح الأزمة أكثر من قضية السفير الإيراني محمد رضا شيباني، فوزارة الخارجية اللبنانية سحبت الموافقة على اعتماده وفي الأعراف الدبلوماسية عندما تقول الدولة المضيف