شدّد البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي على أن حماية الجنوب «لا تكون بالشعارات، بل بقيام دولة تتحمل مسؤوليتها كاملة تجاه الأرض والشعب»، مؤكدًا أن حصر السلاح بيد الدولة لا يشكل غلبة فريق على آخر، بل تثبيتًا لمرجعية وطنية واحدة ولقرار سيادي واحد، وداعيًا إلى نقل المفاوضات من مرحلة الاتصالات والوساطات إلى مسار واضح يقود إلى وقف الاعتداءات وتحقيق الانسحابات وتثبيت الاستقرار. وجاء موقف الراعي خلال ترؤسه قداس الأحد السابع عشر من زمن العنصرة في كنيسة الصرح البطريركي الصيفي في الديمان، حيث خصّص جانبًا من عظته للشأن الوطني والتطورات في الجنوب. وأكد الراعي أن السؤال الإنجيلي «من هو قريبي؟» بات اليوم «سؤالًا وطنيًا بامتياز»، معتبرًا أن القريب في وطن متعدد الطوائف والمذاهب والأحزاب والمناطق ليس فقط من ينتمي إلى الطائفة أو الحزب أو الدين أو المنطقة نفسها، بل «كل لبناني تصبح حياته وكرامته وأمنه أمانة في ضميري». وأضاف: «عندما يُجرح جزء من لبنان، يكون لبنان كله جريحًا. فلا يستطيع أحد أن ينظر إلى ما يصيب منطقة أو جماعة وكأن الأمر لا يعنيه. فالجنوب جنوبنا، والأرض أرضنا، والناس شعبنا. وما يصيب الجنوب يصيب لبنان كله، وما يسقط على أرضه من دم هو جرح في جسد الوطن كله». وحذر من أن يصبح موت المواطنين «خبرًا معتادًا»، أو أن تتحول القرى والبلدات إلى ساحات مفتوحة للخوف والدمار والموت. وقال الراعي: «إن أهل النبطية والجنوب هم أقرباؤنا. ما يصيبهم يصيب لبنان، وأمنهم ليس شأنًا مناطقيًا، ودمهم ليس أقل قيمة من دم أي لبناني، وحقهم في أرضهم وبيوتهم وحياتهم الآمنة هو حق وطني». وفي موقف واضح من ملف السلاح، شدد على أن «حصر السلاح بيد الدولة ليس مسألة غلبة فريق على آخر، ولا مواجهة مع طائفة أو جماعة، بل هو تثبيت لمرجعية وطنية واحدة، ولحق الدولة في أن تكون صاحبة القرار السيادي والمسؤولة عن حماية جميع أبنائها». وتابع: «لا تستقيم دولة بقرارين، ولا تُصان السيادة بمرجعيات متعددة، ولا يستطيع لبنان أن يطالب باحترام سيادته إذا لم تكن هذه السيادة مكتملة في الداخل». وعن مسار المفاوضات، دعا الراعي إلى الانتقال «من مرحلة الاتصالات والوساطات إلى مسار واضح ومحدد الأهداف»، على أن يقود إلى «نتائج فعلية على الأرض: وقف الاعتداءات، تحقيق الانسحابات، وتثبيت الاستقرار ضمن ضمانات جدية تحفظ السيادة اللبنانية وتمنع تكرار التصعيد». وأضاف: «لا يجوز أن تتحول المفاوضات إلى مسار مفتوح بلا أفق، بل يجب أن تكون وسيلة للوصول إلى حل واضح يحفظ حقوق لبنان ويضع حدًا لحالة عدم الاستقرار». وتطرق الراعي إلى أوضاع بلدات رميش وعين إبل ودبل، مشيرًا إلى أن أبناء هذه البلدات رفعوا إلى البطريركية مطالب وهواجس مرتبطة بالصعوبات التي تواجههم في التنقل ووصول المساعدات الإنسانية والمعيشية، ولا سيما بعد منع بعض القوافل من متابعة طريقها وإعادتها من منتصف الطريق. وطالب الجهات المعنية بـ«تسهيل حركة القوافل ووضع آلية تنسيق واضحة وثابتة، تضمن تنقل الأهالي ووصول المساعدات إليهم من المنظمات الإنسانية والجهات المانحة، بما يعزز بقاءهم وصمودهم في أرضهم». وختم الراعي موقفه الوطني بالتأكيد أن «القريب هو كل مواطن يبحث عن الأمان والكرامة في أي منطقة من لبنان»، محذرًا من أنه «لا يمكن أن نبني وطنًا إذا بقي كل فريق قريبًا من جماعته فقط».