تضع أحدث الأرقام الانتخابية الإسرائيلية غادي إيزنكوت في موقع متقدم على بنيامين نتنياهو، لكنها لا تمنح لبنان مؤشراً إلى تحوّل نحو سياسة أقل تشدداً. فالاستطلاع يُظهر احتمال تبدّل رئيس الحكومة، لا تبدّل الشروط الإسرائيلية المتعلقة بالسلاح والانسحاب وحرية العمل العسكري. وبحسب أحدث استطلاع للقناة 12 الإسرائيلية بعد إغلاق لوائح المرشحين للكنيست الـ26، يتصدر حزب "ياشار" برئاسة إيزنكوت بـ25 مقعداً، متقدماً بفارق 4 مقاعد على الليكود بزعامة نتنياهو الذي يحصل على 21 مقعداً. ويأتي حزب "معاً" برئاسة نفتالي بينيت ثالثاً مع 13 مقعداً، يليه "الديمقراطيون" برئاسة يائير غولان بـ10 مقاعد، ثم "إسرائيل بيتنا" بزعامة أفيغدور ليبرمان بـ9 مقاعد. ويحصل "يهودوت هتوراه" على 8 مقاعد، فيما ينال كل من حزب "شاس" والقائمة المشتركة 7 مقاعد. ويحصل حزب إيتمار بن غفير على 6 مقاعد، مقابل 5 مقاعد لتحالف بتسلئيل سموتريتش وموشيه فيغلين، و5 لحزب عوفر وينتر، و4 للقائمة العربية الموحدة برئاسة منصور عباس. ويجمع معسكر نتنياهو 52 مقعداً، أي أقل بـ9 مقاعد من عتبة الـ61 اللازمة لتشكيل الحكومة. في المقابل، تحصل القوى المناهضة له على 68 مقعداً، بينها 57 للأحزاب الصهيونية و11 للقائمتين العربيتين. وهنا تظهر العقدة: خصوم نتنياهو يتفوقون عليه بـ16 مقعداً، لكنهم لا يملكون أكثرية صهيونية مستقلة. ولذلك يحتاج إيزنكوت، إذا كُلّف تشكيل الحكومة، إلى دعم عربي أو إلى جذب أحد أحزاب اليمين، ما قد يفرض عليه تقديم ضمانات أمنية متشددة، خصوصاً في ملفي لبنان وإيران. ويتقدم إيزنكوت أيضاً في سؤال الملاءمة لرئاسة الحكومة، إذ يحصل على 42% مقابل 38% لنتنياهو. لكن الأخير يتقدم على بينيت بنسبة 40% مقابل 37%، وعلى ليبرمان بنسبة 40% مقابل 27%، ما يعني أن إيزنكوت هو المنافس الوحيد الذي يتفوق عليه مباشرة. وسجّل الاستطلاع استعداد 71% من المشاركين للتصويت، ترتفع نسبتهم إلى 82% بين مؤيدي المعارضة، مقابل 75% لدى ناخبي الائتلاف و54% فقط لدى ناخبي الأحزاب العربية. وهذه الفجوة مهمة، لأن أي تراجع إضافي في المشاركة العربية قد يحرم خصوم نتنياهو المقاعد التي يحتاجون إليها لإسقاطه. وتكشف حركة الأصوات أن إيزنكوت لا ينمو داخل معسكر الوسط فقط، إذ إن 38% من ناخبيه الحاليين صوّتوا سابقاً لـ"يش عتيد"، و24% لـ"المعسكر الرسمي"، فيما يأتي 16% منهم من ناخبي الليكود عام 2022. وهذا الاختراق لقاعدة اليمين يعزز صورته كمرشح أمني قادر على منافسة نتنياهو بلغته نفسها. في المقابل، لا يزال اليمين الأكثر تشدداً يحتفظ بوزن مؤثر. فبن غفير وسموتريتش ووينتر يجمعون معاً 16 مقعداً، ما يعني أن نتنياهو سيبقى، إذا حاول تشكيل الحكومة، معتمداً على قوى تطالب بمواقف أكثر صرامة تجاه لبنان. أما إيزنكوت، فرغم وجوده في المعسكر المناهض لنتنياهو، لا يعرض مقاربة لينة. فقد أعلن أن الجيش الإسرائيلي يجب أن يبقى داخل جنوب لبنان إلى حين التوصل إلى ترتيبات أمنية يعتبرها كافية، وطالب بنزع السلاح من الحدود إلى شمال الليطاني، وفرض حظر على تسليح حزب الله وقطع علاقته بإيران. كما شدد على عدم تقييد حركة الجيش الإسرائيلي بالجنوب، معتبراً أن مراكز ثقل حزب الله موجودة في بيروت والبقاع أيضاً. لكنه يختلف عن نتنياهو في أنه يريد وضع هذا الضغط ضمن مسار دولي تشارك فيه الولايات المتحدة وفرنسا ودول عربية، بهدف تقوية الجيش اللبناني وتقليص النفوذ الإيراني تدريجياً. وبذلك، يقوم الفارق الأساسي بين الرجلين على إدارة الملف، لا على هدفه. نتنياهو يعتمد عمليات عسكرية متواصلة وشروط انسحاب قابلة للتوسّع، متأثراً بحلفائه في اليمين. أما إيزنكوت فيفضّل ضغطاً عسكرياً منظماً، يرتبط بآلية دولية وبمراحل تنفيذ قابلة للقياس. بالنسبة إلى لبنان، قد يعني فوز إيزنكوت تراجعاً في القرارات المفاجئة، لكنه قد يوسّع في المقابل دائرة الضغط الدولي على بيروت. فبدلاً من مواجهة إسرائيل وحدها، قد تجد الدولة اللبنانية نفسها أمام جبهة أميركية–فرنسية–عربية تطالبها بتنفيذ نزع السلاح مقابل الانسحاب وإطلاق إعادة الإعمار. لذلك، لا تقود الأرقام إلى مفاضلة بين التصعيد والتهدئة، بل بين نموذجين: نتنياهو يضغط بالنار ويترك النهاية مفتوحة، وإيزنكوت يسعى إلى تحويل التفوق العسكري إلى اتفاق أمني طويل الأمد تضمنه قوى دولية. وقد يتغير اسم رئيس الحكومة بعد الانتخابات، لكن لبنان سيبقى أمام المعادلة نفسها: انسحاب إسرائيلي مشروط، وضغط على سلاح حزب الله، ومحاولة لإبقاء قرار التحرك العسكري بيد إسرائيل إلى أن تقتنع بأن التهديد زال.