وضع وزير الاقتصاد والتجارة عامر البساط رقماً ثقيلاً على طاولة الحرب، مقدراً حجم الأضرار والدمار في لبنان بنحو 11 مليار دولار، تشمل المنازل والطرقات وشبكات الكهرباء والمصانع والمزارع، بالتوازي مع كلفة نزوح تقارب 100 مليون دولار شهرياً. لكن الرقم، على ضخامته، يفتح سؤالاً أساسياً: هل يشكل نتيجة جردة وطنية جديدة لما دمرته حرب 2026، أم أنه يستند إلى تقديرات سابقة أُضيفت إليها أضرار الحرب الحالية؟ البساط قال، في حديث إلى برنامج "لقاء الأحد" عبر "صوت كل لبنان"، إن التعافي الاقتصادي غير ممكن من دون الاستقرار الأمني والإصلاحات السياسية واستعادة الدولة سيادتها وقرارها. إلا أن التصريح المنشور لم يحدد الجهة التي أعدت تقدير الـ11 مليار دولار، ولا تاريخ انتهاء عملية الإحصاء، ولا كيفية توزيع الرقم بين المناطق والقطاعات. وتبرز أهمية هذا التوضيح لأن الرقم نفسه سبق أن ورد في تقرير مختلف تماماً أصدره البنك الدولي في آذار 2025. فقد قدّر البنك آنذاك حاجات التعافي وإعادة الإعمار بعد حرب 2023–2024 بنحو 11 مليار دولار، موزعة بين 3 و5 مليارات دولار يفترض تأمينها من التمويل العام، و6 إلى 8 مليارات من القطاع الخاص. لكن الـ11 مليار دولار في تقرير البنك الدولي لم تكن قيمة الأضرار وحدها. فقد فصل التقرير بين 6.8 مليارات دولار من الأضرار المادية المباشرة، مثل هدم المنازل والمنشآت والبنى التحتية، و7.2 مليارات دولار من الخسائر الاقتصادية الناجمة عن توقف النشاط والإنتاج والدخل. وبذلك بلغ الأثر الاقتصادي الإجمالي للحرب نحو 14 مليار دولار، فيما بلغت حاجات التعافي وإعادة الإعمار 11 ملياراً. أما الحرب التي اندلعت مجدداً في 2026، فأضافت طبقة جديدة من الدمار لم تدخل أساساً في حسابات البنك الدولي السابقة. وفي نيسان الماضي، قالت دراسة أعدتها "كلنا إرادة" إن الحجم الكامل للأضرار التي أصابت المساكن والبنى التحتية خلال الحرب الجديدة لم يكن قد جرى قياسه بعد، وإنه يأتي فوق حاجات إعادة الإعمار السابقة المقدرة بـ11 مليار دولار. وقدّرت الدراسة أن الكلفة اليومية خلال الأسابيع الـ6 الأكثر شدة من حرب 2024 بلغت نحو 157 مليون دولار، بما يزيد على 7 مليارات دولار خلال تلك المرحلة وحدها. كما أشارت، استناداً إلى البيانات المتاحة في بداية حرب 2026، إلى تدمير أو تضرر نحو 54 ألف وحدة سكنية بصورة جسيمة، أي ما يعادل قرابة 25% من حجم الأضرار السكنية المسجلة خلال حرب 2023–2024. وفي تقدير أكثر تحديداً، أظهر مسح أعده برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، باستخدام صور الأقمار الاصطناعية والتحقق الميداني بالتعاون مع الجيش اللبناني ومجلس البحوث العلمية، أن الأضرار الظاهرة في المباني ضمن بيروت وجبل لبنان بين شباط و14 نيسان 2026 بلغت وحدها نحو 365 مليون دولار. ووثق المسح 146 مبنى مدمراً بالكامل، و264 مبنى متضرراً جزئياً، و54 شقة تعرضت لاستهداف موضعي، مع تقدير حجم الركام بنحو 649 ألف متر مكعب. واعتمد احتساباً أولياً لكلفة الاستبدال يبلغ 450 دولاراً للمتر المربع. وهذا الرقم لا يشمل الجنوب والبقاع وبقية المناطق، ولا الأضرار الطفيفة التي استُبعدت من حساب الركام. اقتصادياً، لا تتوقف الفاتورة عند المباني. فقد توقع البنك الدولي في آب الماضي انكماش الاقتصاد اللبناني بنسبة 6.4% خلال 2026، بعدما كان قد حقق نمواً يقدر بـ4.2% في 2025. وبحسب البنك، جعلت الحرب معدل النمو أقل بـ10.4 نقاط مئوية مما كان يمكن تحقيقه في حال عدم اندلاعها. ويتوقع البنك الدولي أيضاً ارتفاع التضخم إلى 17.5% خلال 2026، تحت ضغط اضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار النفط والشحن، بما يعني تراجعاً إضافياً في القدرة الشرائية. كما حذر من تعرض سعر الصرف لضغوط إذا انخفضت التدفقات الخارجية أو استمرت الصدمات المرتبطة بالحرب. أما تقدير البساط لكلفة النزوح عند 100 مليون دولار شهرياً، فيوازي 1.2 مليار دولار إذا استمر عاماً كاملاً. لكنه يحتاج بدوره إلى تفصيل يحدد عدد النازحين المحتسبين، وكلفة الإيواء والمساعدات والخدمات الصحية والتعليمية، وما إذا كان يشمل خسارة دخل الأسر وتعطل المؤسسات في مناطق النزوح. وكانت دراسة "كلنا إرادة" قد اعتمدت كلفة وسطية تبلغ 250 دولاراً شهرياً لكل نازح موجود في مراكز الإيواء، وقدرت كلفة استضافة المسجلين داخل هذه المراكز بنحو 200 مليون دولار خلال 6 أشهر. لكنها أوضحت أن هذا الحساب لا يشمل النازحين خارج المراكز ولا برامج الدعم الاجتماعي الأوسع، ما يفسر إمكان ارتفاع الفاتورة الفعلية إلى مستويات أكبر. المشكلة، إذاً، ليست في احتمال بلوغ الأضرار 11 مليار دولار أو تجاوزها، فحجم الدمار الموثق وتوسع رقعة العمليات يجعلان ذلك ممكناً. المشكلة أن لبنان لا يستطيع مطالبة الدول والجهات المانحة بتمويل إعادة الإعمار استناداً إلى رقم إجمالي