في موقف سياسي تناول فيه التحديات الداخلية والضغوط التي يواجهها لبنان، حذّر العلّامة السيد علي فضل الله من استمرار الانقسامات والرهان على الخارج، داعيًا إلى تجاوز الحسابات الطائفية والفئوية والذهاب نحو بناء دولة قوية وعادلة تكون حاضرة إلى جانب جميع اللبنانيين، ولا سيما أبناء الجنوب. وخلال لقاء حواري عقده في المركز الإسلامي الثقافي في حارة حريك، قال فضل الله: «لا يمكننا أن نواجه كل هذه التحديات والضغوط بهذا الترهل والانقسام»، متسائلًا: «متى سنفكّر بحجم الوطن، ونرتفع عن مصالحنا الذاتية والفئوية، ونخرج من منطق الطائفة والمذهب إلى منطق بناء الدولة وتعزيز مؤسساتها؟». وانتقد الفجوة بين الشعارات والممارسة السياسية، معتبرًا أنه «عند التطبيق نجد أن لعبة المصالح والحصص لا تزال تتحكّم بنا، وأن كل جهة تتربّص بالجهة الأخرى بانتظار لحظة ضعفها، فيما يستمر البعض في الرهان على الخارج من أجل تعزيز موقعه الداخلي». وفي ملف الجنوب، رحّب فضل الله «بكل خطوة تسهم في تعزيز صمود الجنوبيين وثباتهم في أرضهم وقراهم»، داعيًا الدولة إلى أن تكون حاضرة «بقوة وبكل أجهزتها الأمنية والاقتصادية والتربوية والصحية والخدماتية» إلى جانب الأهالي، وأن تتحمّل مسؤولياتها في دعمهم وتأمين مقومات صمودهم. وأكد أن «الطائفة الشيعية ليست على هامش الوطن، بل هي إحدى ركائزه الأساسية»، مشددًا على أنها «لم تبخل بالتضحيات التي قدّمتها من أجل لبنان كله، وهي من الداعين إلى قيام الدولة، وتواقة إلى وجود دولة قوية وعادلة، وتؤمن بالشراكة الوطنية والاحترام المتبادل ومدّ جسور التواصل وتحقيق العدالة وحفظ حقوق جميع اللبنانيين». وشدد فضل الله على أن لبنان «لا يقوم على تهميش أو إقصاء أي مكوّن، بل على تعاون جميع أبنائه وتكاتفهم من أجل النهوض به والحفاظ عليه». وفي سياق متصل، تطرّق إلى القرارات الصادرة عن بعض البلديات بشأن منع بيع العقارات لأحد المكوّنات اللبنانية، محذرًا من تحوّل هذه الإجراءات إلى مسار ذي طابع طائفي أو مذهبي. وقال: «نحن نتفهّم دوافع البعض، لكننا لا نريد لهذا الأمر أن يتحوّل إلى حالة طائفية أو مذهبية عامة، ففي ذلك خطر كل الخطر على مستقبل الكيان اللبناني ومصير وحدته، ويهوي بالوطن إلى فخ التفتيت والتقسيم». وأكد الرهان على «وعي اللبنانيين وعدم الوقوع في هذا الفخ»، معتبرًا أن «هذا البلد لا يمكن لأي مكوّن فيه أن يعيش بمعزل عن الآخر»، وأن التجارب السابقة أثبتت فشل أي مشروع يحمل في طياته التقسيم والانفصال. وفي الشأن المعيشي، انتقد فضل الله لجوء الدولة إلى فرض ضرائب جديدة على اللبنانيين، متسائلًا: «إلى متى ستبقى الدولة تستسهل فرض ضرائب جديدة على المواطن اللبناني بما يزيد من معاناته؟». ودعا إلى «رفع الصوت في وجه هذه السياسات وعدم تكرار تجارب الحكومات السابقة»، محذرًا من أن استمرار تمويل الخزينة بصورة رئيسية من جيوب المواطنين الذين يعانون من أزمات معيشية ستكون له «نتائج وخيمة»، ومطالبًا بالاستفادة من موارد الدولة، وفي مقدمها الأملاك البحرية، بدل تحميل اللبنانيين أعباء إضافية. أما إقليميًا، فاعتبر فضل الله أن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو «يريد استخدام لبنان ورقة في معركته الانتخابية»، معتبرًا أن التنافس داخل إسرائيل بات قائمًا على «من يقتل ويدمّر أكثر، ومن يعمل على إنجاح المشروع الصهيوني في السيطرة على المنطقة، بحيث لا يبقى فيها أي موقع من مواقع القوة، ويكون له حرية التحرك فيها كما يشاء». وتأتي مواقف فضل الله في وقت يواجه فيه لبنان ضغوطًا سياسية وأمنية متزايدة، بالتوازي مع استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على مناطق لبنانية، فيما تتصاعد داخليًا النقاشات حول دور الدولة ومؤسساتها ومستقبل الجنوب، وسط مخاوف من أن تنعكس الانقسامات السياسية والطائفية على الاستقرار الداخلي والسلم الأهلي.