كيف يحتفل معرض أبوظبي للكتاب عام 2026 بدورته الخامسة والثلاثين، على رغم مرور 45 عاماً على انطلاقه؟ لا يفسّر الحساب وحده هذا الفارق، فبين الرقمين تاريخ غير مستقيم لمعرض بدأ صغيراً، وتبدّلت أسماؤه وأمكنته، وانقطعت بعض دوراته تحت وطأة الحروب التي عصفت بالمنطقة، قبل أن يستقر موعداً سنوياً ويتحوّل إلى منصة دولية لا تكتفي بعرض الكتب وبيعها، بل تفتح أمامها طرقاً جديدة إلى الترجمة وحقوق النشر والصيغ الرقمية والصوتية. من هنا، لا يمثّل افتتاح الدورة الخامسة والثلاثين اليوم رقماً جديداً في سجل المعرض فحسب، بل مناسبة لقراءة الرحلة التي نقلت أبوظبي من جمع الكتب تحت سقف واحد إلى بناء منظومة ثقافية متكاملة، تتحرك فيها الكلمة بين المؤلف والناشر والمترجم والقارئ، وتعبر من لغة إلى أخرى ومن الورق إلى وسائط المستقبل. حين اشترى الشيخ زايد الكتب التي لم تُبع تبدأ الحكاية في الثالث من أيار/مايو 1981، حين افتُتحت الدورة الأولى تحت اسم "معرض الكتاب الإسلامي" في المجمع الثقافي بأبوظبي. وتفيد المصادر التي وثّقت تلك المرحلة بأن المعرض ضمّ نحو 50 ناشراً من مصر ولبنان، إلى جانب مكتبات ودور نشر محلية. كان الرقم متواضعاً إذا قورن بمشاركة دور نشر ومؤسسات من 95 دولة في دورة 2026، لكن القيمة الحقيقية للبداية لم تكن في عدد الأجنحة، بل في الفكرة التي حملتها: أن بناء الدولة لا يكتمل بالبنية التحتية وحدها، وأن الكتاب جزء من تأسيس المجتمع ومؤسساته. ثمة واقعة تختصر هذه الرؤية أكثر من الخطب والأرقام. في ختام الدورة الأولى، أمر الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان بشراء جميع الكتب التي بقيت لدى الناشرين، وتوزيعها على الوزارات والمؤسسات الثقافية والمكتبات العامة. ولم يكن ذلك مجرد دعم تجاري للمشاركين، إذ أصبحت مجموعة من تلك الكتب لاحقاً جزءاً من النواة التي تكوّنت منها دار الكتب الوطنية. هنا تكمن واحدة من أجمل مفارقات البدايات: الكتب التي لم تجد مشترياً في المعرض لم تعد إلى الصناديق، بل انتقلت إلى المكتبات، أي من سلعة لم تُبع إلى معرفة عامة قابلة للتداول. ومنذ اللحظة الأولى، لم يكن نجاح المعرض يُقاس بما خرج من أجنحته من كتب مبيعة فقط، بل بما بقي منها في المدينة أيضاً. استمر الحدث خمسة أعوام تحت اسم "معرض الكتاب الإسلامي"، قبل أن يدخل عام 1986 مرحلة جديدة حمل فيها اسم "معرض الكتاب الأول في أبوظبي". أقيمت الدورة التالية عام 1988، ثم غاب المعرض خلال سنوات الاضطراب التي سبقت حرب الخليج ورافقتها، ليعود في عام 1993، حين اتُّخذ قرار تحويله إلى موعد سنوي ثابت. يفسر هذا التاريخ المتقطع الفارق بين عمر المعرض وعدد دوراته. فالمسيرة التي بدأت عام 1981 لم تتقدم سنة بعد سنة على نحو منتظم، بل حملت آثار الزمن السياسي للمنطقة. حتى الكتاب، الذي يبدو بعيداً عن ضجيج الأحداث، وجد نفسه محكوماً بالجغرافيا والحرب وحركة الناشرين وصعوبة السفر. وفي عام 1993، خرج المعرض من المجمع الثقافي إلى أرض المعارض، ثم عاد إليه في 1995. ومع اتساع المشاركة، انتقل عام 1997 إلى الساحة الخارجية للمجمع، كأن المكان نفسه لم يعد قادراً على استيعاب ما بدأ قبل أعوام قليلة بتجمع محدود للناشرين. أما في عام 2003، فقد تدخلت الحرب مرة أخرى في روزنامة الثقافة، فأُجّلت الدورة الثالثة عشرة في ظل الغزو الأميركي للعراق وحالة القلق التي أحاطت بالمنطقة. لكنه عاد في العام التالي بزخم أكبر، بمشاركة نحو 500 دار عرضت ما يقارب 300 ألف عنوان عربي وأجنبي. من المجمع الثقافي إلى فضاء دولي شكّل المجمع الثقافي البيت الأول للمعرض، ولم يكن مجرد مبنى يستضيفه. ففي داخله تداخلت المكتبة الوطنية مع قاعات العرض والندوات والأنشطة الفنية، بما جعل الكتاب جزءاً من مشروع ثقافي أوسع. وظل المعرض يعود إلى هذا المكان حتى دورته السادسة عشرة، قبل أن ينتقل ابتداءً من دورة 2007 إلى مركز أبوظبي الوطني للمعارض، المعروف اليوم باسم "أدنيك أبوظبي". ولم يكن الانتقال تغييراً في العنوان وحده، فقد أتاح فضاءً أوسع وعدداً أكبر من المشاركين، بالتزامن مع تحول في طبيعة المعرض ووظيفته. والانتقال آنذاك كان إلى أرض المعارض القديمة، أما انتقال الحدث إلى مركز أبوظبي الوطني للمعارض بصورته الحديثة فجاء بعد الدورة السادسة عشرة. التحول الأهم: الكتاب ليس ما يُباع فقط يمكن قياس تطور أي معرض بعدد زواره ومساحة قاعاته ودور النشر المشاركة فيه، لكن التحول الأعمق في معرض أبوظبي يتعلق بتغير مفهوم "الكتاب" نفسه. في بدايته، كانت المسألة تتمحور حول إحضار الكتاب وإتاحته للقارئ. ومع اتساع صناعة النشر، لم يعد السؤال: كم نسخة بيعت؟ بل أيضاً: من يملك حق ترجمة هذا الكتاب؟ كيف يصل مؤلف عربي إلى لغة أخرى؟ وهل يمكن تحويل العمل المطبوع إلى كتاب إلكتروني أو صوتي؟ من هنا برزت الوظيفة المهنية للمعرض ب