يبدأ رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، غداً الأثنين، زيارة رسمية إلى فرنسا، في مستهل أول جولة أوروبية له منذ توليه رئاسة الحكومة، قبل أن ينتقل إلى ألمانيا، على رأس وفد حكومي رفيع، في جولة تحمل أبعاداً اقتصادية وسياسية وأمنية تتجاوز الطابع البروتوكولي. وتأتي الجولة في مرحلة دقيقة بالنسبة إلى العراق، تتزامن مع تحولات إقليمية متسارعة واقتراب الموعد المعلن لإنهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي في في 30 أيلول/سبتمبر، فيما تسارعت بالفعل عملية انسحاب قواته من البلاد. وتفتح هذه المرحلة الباب أمام إعادة تعريف أطر التعاون الأمني والعسكري بين بغداد وشركائها الدوليين، بالتوازي مع مساعي الحكومة لتوسيع علاقاتها الاقتصادية والاستثمارية. وأكد مكتب رئيس الوزراء أن زيارة فرنسا جاءت بدعوة من الرئيس إيمانويل ماكرون. ومن المقرر أن يلتقي الزيدي ماكرون صباح الغد، حيث يعقدان غداء عمل ويتصدران مباحثات موسعة بين وفدي البلدين. وبعد باريس، ينتقل رئيس الوزراء العراقي إلى برلين، حيث يستقبله المستشار فريدريش ميرتس الثلاثاء، في لقاء تركز أجندته على تطوير العلاقات الثنائية والتعاون الاقتصادي والتطورات الإقليمية. وبحسب مصادر حكومية عراقية تحدثت إلى "النهار"، تكتسب المحطة الفرنسية أهمية خاصة في حسابات بغداد الخارجية، إذ سيبحث الزيدي مع ماكرون ملفات إقليمية ودولية ذات اهتمام مشترك، إلى جانب سبل تعزيز العلاقات العراقية – الفرنسية. وحدد الإليزيه قطاعات الطاقة والنقل والبنى التحتية والمياه والصحة ضمن أولويات التعاون، إضافة إلى تعزيز الشراكة في مجالي الأمن والدفاع، مع توقع توقيع عقود ومذكرات تفاهم خلال الزيارة. وقالت المصادر إن الجانبين سيترأسان مباحثات موسعة بين وفدي البلدين تتناول "إطلاق شراكات جديدة وتعزيز التعاون الثنائي، وسط رغبة عراقية في نقل العلاقة مع فرنسا من إطار الدعم السياسي والأمني إلى شراكة اقتصادية واستثمارية أوسع". وتحاول بغداد، من خلال الجولة الأوروبية، فتح المجال أمام الشركات الفرنسية والألمانية للمشاركة في مشاريع داخل العراق، خصوصاً في قطاعات الطاقة والصناعة والتجارة والبنية التحتية والتكنولوجيا، وتحويل التفاهمات القائمة إلى مشاريع قابلة للتنفيذ. الاقتصاد والطاقة في صلب الجولة وفي برلين، يدخل الاقتصاد في صلب أجندة المباحثات. وأعلنت الحكومة الألمانية أن ميرتس سيستقبل الزيدي في المستشارية مع التشريفات العسكرية، على أن يتركز اللقاء بصورة خاصة على تطوير العلاقات الثنائية والتعاون الاقتصادي، إلى جانب الوضع الإقليمي. وتبرز الطاقة بوصفها أحد أكثر الملفات حساسية في الحسابات العراقية – الأوروبية، في ظل حاجة العراق إلى تطوير قدراته في استثمار الغاز وتوسيع إنتاج الكهرباء وتحسين شبكات الطاقة، بالتوازي مع مساعي تنويع مصادر الدخل وتقليل ارتهان الاقتصاد لتقلبات سوق النفط. ويكتسب هذا الملف أهمية إضافية مع الاضطرابات التي تضرب طرق تصدير الطاقة في المنطقة، وما تسببه من ضغوط مباشرة على العراق والدول الأوروبية المستوردة. وتراهن بغداد على الخبرات والاستثمارات الفرنسية والألمانية في تطوير قطاعات الطاقة والصناعة والخدمات والتكنولوجيا، والانتقال من مرحلة مذكرات التفاهم إلى مشاريع فعلية. ولا تنفصل الأهداف الاقتصادية للجولة عن البعد السياسي الأوسع لسياسة الحكومة العراقية، التي أعلنت منذ تشكيلها التمسك بعلاقات متوازنة مع القوى الدولية والإقليمية وتجنب الانخراط في محاور الصراع. وتأتي زيارة فرنسا وألمانيا بعد جولات للزيدي شملت الولايات المتحدة وإيران وتركيا وقطر، بما يعكس، وفق المصادر، محاولة بغداد توسيع شبكة علاقاتها الدولية والإقليمية وعدم حصر خياراتها الخارجية بشريك أو محور واحد. وتسعى الحكومة من خلال هذا الانفتاح إلى تعزيز هامش الحركة العراقي وسط التحولات الدولية والإقليمية، وترسيخ سياسة تقوم على المصالح المتبادلة، خصوصاً أن انتهاء مهمة التحالف الدولي يفرض على بغداد إعادة بناء جانب من علاقاتها الأمنية مع الدول المشاركة فيه على أسس ثنائية. رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال لقائه الرئيس التركي رجب طيب إردوغان في أنقرة، 28 تموز/يوليو 2026. (أ ف ب) ويكتسب الجانب الأمني في الجولة أهمية مضاعفة مع اقتراب الموعد النهائي المعلن لإنهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي في العراق. وتشير المعطيات العراقية الأخيرة إلى أن انسحاب قوات التحالف دخل مراحله العملية الأخيرة، مع انتقال التركيز تدريجياً من العمليات العسكرية تحت مظلة التحالف إلى قدرات القوات العراقية وأطر التعاون الأمني والدفاعي الثنائي مع الدول الشريكة. وفي هذا السياق، تبرز فرنسا وألمانيا كشريكين محتملين في المرحلة الجديدة، في مجالات التدريب وتبادل الخبرات وبناء القدرات الأمنية والاستخبارية ومكافحة الإرهاب وحما