هناك عودات لا تُقاس بعدد السنوات التي تفصل صاحبها عن المكان، بل بما تغيّر في ذلك المكان، وفي العائد نفسه، خلال تلك السنوات. وحين تقف الفنانة أصالة نصري على مسرح صالة الفيحاء الرياضية بدمشق في 17 و19 أيلول/سبتمبر الجاري، بعد غياب دام قرابة 15 عاماً (منذ حفلها الخيري في دار الأوبرا في شباط 2010)، فإنها لا تعود إلى حفلة مؤجلة، ولا إلى جمهور تركته في زمن مضى. تعود إلى مدينة تبدلت ملامحها، وإلى بلد تبدلت ظروفه، وذاكرة ما زالت تحمل الكثير من الأسئلة. ربما لم تختر أصالة أن تكون عودتها إلى دمشق مرآة لسوريا الجديدة، لكن الظروف جعلتها كذلك. ترعى وزارة الثقافة ونقابة الفنانين السوريين هذه العودة، التي تنظمها شركة "أوغار إيفنتس" تحت عنوان "عودة الأصالة". لكن المفارقة أن أصالة سبقت عودتها الجسدية بعودة أخرى أكثر أهمية: لقد أعادت سوريا نفسها إلى صوتها، قبل أن تعيد صوتها إلى سوريا. أصالة بين صورتين... هل تستطيع سوريا أن تبدأ من جديد؟ من السهل أن تُروى سيرة أصالة السورية على شكل انقلاب بسيط: فنانة كانت قريبة من صورة النظام السابق، ثم وقفت إلى جانب الثورة، ثم عادت اليوم إلى دمشق. لكن التاريخ أكثر تعقيداً من ذلك، فالفنانة التي غابت لسنوات بسبب موقفها السياسي، ودعمها للاحتجاجات وأعمالها المرتبطة بالثورة (مثل "آه لو الكرسي بيحكي")، ورفضها اختزال سوريا بشخص بشار الأسد، هي نفسها التي أعاد مستخدمون على مواقع التواصل، بالتزامن مع عودتها، نبش أرشيفها القديم المرتبط بمناسبات وعائلة الأسد (حافظ وبشار الأسد). وكأن جزءاً من النقاش يقول إن الماضي لا يمكن أن يُدفن لمجرد أن الزمن تغيّر. وهنا تحديداً تصبح قصة أصالة أكبر من حفلة، إنها تشبه السؤال الذي تواجهه سوريا نفسها اليوم: ماذا نفعل بكل ما تركه الماضي وراءه؟ هل يمكن لمجتمع كامل أن يُحاكم ماضيه من دون أن يتحول إلى مجتمع يعيش داخل الماضي؟ أصالة حالة لا يمكن اختصارها بجملة واحدة. ولهذا فإن عودتها تطرح سؤالاً عن مسار سوريا بين نقيضين: عدالة تمنع الإفلات من العقاب (لمن ارتكب الجرائم)، ومصالحة وإعادة إدماج (لمن لم يرتكبها). المسامحة هنا لا تعني النسيان، ولا تعني إسقاط المحاسبة، ولا مساواة الضحية بالجلاد، بل تمنع الماضي من ابتلاع المستقبل. جدل الشارع: تمزيق اللافتات والتفاوض على المجال العام وفي السياق عينه، اصطدمت هذه العودة "العميقة" بواقع الشارع والتناقضات، بحيث ظهرت حملات متشددة تطالب بإلغاء ما سموها "حفلات المعاصي"، وانتشرت مقاطع فيديو توثق قيام البعض بتمزيق اللوحات والملصقات الإعلانية للحفل في شوارع دمشق. ودعم مدير مديريات الثقافة "أنس الدغيم" بياناً يطالب بمراجعة تراخيص الفعاليات بدعوى تعارضها مع "هوية المجتمع". في المقابل، جاء الرد الرسمي حاسماً، إذ أعلن وزير الثقافة محمد ياسين صالح ترحيبه بعودة أصالة، واصفاً إياها بأنها "ابنة الشام" و"أخت الرجال"، مؤكداً أن الدولة ترحب بعودة مبدعيها، كما زار موقع الحفل للإطمئنان على حسن سير التحضيرات. هذا المشهد يعكس محاولة سوريا التفاوض على شكل المجال العام: ما حدود الخطاب الديني؟ وما دور الدولة في حماية الفن؟ "الألبوم السوري": 14 أغنية لـ14 إمرأة سورية في موازاة هذا الثقل السياسي، اختارت أصالة أن تصل إلى هذه اللحظة بمشروع فني شديد الدلالة. في أواخر آب/أغسطس الماضي، كشفت عن الألبوم تمهيداً للحفل، وفي 7 أيلول الجاري أطلقت رسمياً "الألبوم السوري... من أصالة إلى سوريا التي نحب". كان بإمكانها العودة بألبومٍ تجاري، لكنها اختارت الدخول إلى الذاكرة الشعبية بـ14 أغنية تمثل المحافظات السورية الأربع عشرة. وأضافت مقطعاً خاصاً بـ"الشام" لأغنية "أصالة". لم تتعامل مع التراث بوصفه مادة متحفية، بل أعادت تقديمه بتوزيعات معاصرة. والأكثر شاعرية، أنها تحدثت عن كل أغنية باعتبار أنها قادتها إلى شخصية "إمرأة سورية" مختلفة. إنها محاولة لاستعادة سوريا من خلال تفاصيلها الصغيرة والذاكرات النسائية المتعددة في الأفراح ومواسم الحصاد، لتجمع البلد المشظى في ألبوم واحد. حين يصبح التراث "هوت كوتور": 14 إطلالة معاصرة لم تقف الرؤية عند حدود الصوت. رافقت "الألبوم السوري" هوية بصرية كاملة، اختارت فيها أصالة 14 إطلالة مستوحاة من تراث المحافظات، لتصبح الملابس امتداداً للأغنيات، بمشاركة نخبةٍ من المصممين: مثنّى الحاج علي: صمم إطلالات السويداء، الرقة، طرطوس، وإدلب، وقدمت شهد الشارود: إطلالتي حلب وريف دمشق، وتولت هويدا البريدي إطلالات دمشق، حمص، درعا، والحسكة، وفرح صالح البابطين (من الكويت) صممت إطلالة دير الزور، وهنادي الحلبي قدمت إطلالتي اللاذقية وحماة. اللافت أن المصممين لم ينقلوا الأزياء حرفياً. في إطلالة حمص، حضر استلهام الملكة زنوبيا وتدمر وتماثيلها. وفي درعا، تحول الزي التقليدي في جزئه العل