جميعنا مرَرنا بتلك اللّحظة المعلّقة حين ننظر إلى وجه شخص قريب نعرف ملامحه وطريقة حديثه جيّداً، ثمَّ نُلاحظ فجأة تفصيلاً صغيراً يُثير الشكّ: أصبح أقلّ حماسةً، أكثر صمتاً أو بات يتحدّث ببرودة لم نعتدها منه. ومع مرور الأيام، نميل تدريجاً إلى بناء قصة كاملة حول ما يحدث ونُسارع الى الحكم على نياته، بينما تبقى أفكاره، مشاعره وما يمرّ به بعيدة عن نظرنا. ليست كلّ مسافة رفضاً ولا كلّ برودة نهاية (Pexels) العدوى الانفعالية "Emotional Contagion" إحدى الظواهر التي يدرسها علم النفس الاجتماعي وتُشير إلى كيفية تأثّر حالاتنا الانفعالية بمشاعر الآخرين أثناء التفاعل معهم. في كتاب "Emotional Contagion" الصادر عن جامعة كامبريدج عام 1994، تناولت إيلين هاتفيلد، جون كاتشيوبو وريتشارد رابسون هذه الظاهرة وطرحوا أنَّ التفاعل الاجتماعي يُمكن أن يدفعنا بصورة تلقائية إلى محاكاة بعض تعابير الوجه، نبرات الصوت ووضعيات الجسد والحركات، بما ينعكس على الشعور. كما بحثوا في أسباب تفاوت استجابة الأفراد لهذه الإشارات، إذ لا تحدث العدوى الانفعالية بالضرورة لدى الجميع بل تتأثَّر بعوامل اجتماعية، سلوكية وفيزولوجية متداخلة، ممّا يجعل انتقال الحالة المزاجية من شخص إلى آخر أمراً غير حتميّ. هنا يُصبح من المهم التمييز بين الوصف الشائع لما نُسمّيها "الطاقة السلبية" وبين التفسير العلمي للتغيّر الذي يُمكن أن يطرأ على تواصلنا مع الآخرين. بعد أكثر من ثلاثة عقود على طرح مفهوم العدوى الانفعالية، جاءت دراسة نُشرت عام 2026 من جامعة مونستر الألمانية، لِتبحث بصورة أكثر تحديداً عن العلاقة بين ميل الفرد إلى التقاط مشاعر الغير والطريقة التي يُعالج بها الانفعالات بديهياً. فهم الآخر يبدأ حين نتجاوز ما يظهر أمامنا (Pexels) درس ميرله فيلتن، أَنيت كيرستينغ وتوماس سوسلو هذه العلاقة إلى جانب بعض جوانب الكفاءة الانفعالية، شملت 104 نساء بمتوسّط عمر بلغ نحو 24.7 عاماً. إستخدم الباحثون مهمّة تجريبية تضمّنت وجوهاً سعيدة، غاضبة ومحايدة إلى جانب مقاييس للذكاء الانفعالي وعدد من العوامل النفسية الأخرى. لم يجدوا علاقة واضحة بين الميل إلى التقاط ما يشعر به الباقون والمعالجة التلقائية للمشاعر، في حين ارتبط رصد الحالات الإيجابية بمستوى أعلى من الذكاء الانفعالي من دون ظهور النتيجة نفسها عند السلبية. لا تعني ملاحظة التقلّبات المزاجية أنَّنا نتبنّاها بصورة غير واعية، كما لا يُثبت البحث وجود علاقة سببية بين الذكاء الانفعالي وهذه الاستجابة. تُعدّ حساسية الرفض من العوامل التي قد تنعكس على العلاقات، إذ تُبيّن أبحاث داوني وفيلدمان من جامعة كولومبيا عام 1996، أنَّ بعض الأفراد يكونون أكثر ميلاً إلى توقّع الرفض وشرح الإشارات الغامضة على أنَّها تجاهل أو ابتعاد، ما قد يرتد بدوره على طريقة تفاعلهم داخل العلاقة. قد يحمل بعض الإشارات كَتأخّر الرّد أو تغيّر نبرة الحديث، دلالات مختلفة تبعاً لتوقّعاتنا السابقة وحالتنا المزاجية من دون أن يدل ذلك على أنَّ الإحساس بالرفض غير حقيقي. وفي بحث آخر طويل المدى نُشر عام 2017 للباحث بالبوينا وزملائه، تمَّ استخدام بيانات من المسح البريطاني للصحة ونمط الحياة "British "Health and Lifestyle Survey، الذي أُجري عامي 1984 و1991. ضمّت التحليلات 5,352 شخصاً شاركوا في المرحلتين بهدف بحث العلاقة بين عدم استقرار المزاج والصعوبات في التفاعل مع الآخر. وجدت أنَّ عدم توازن المزاج عام 1984 اتّصل لاحقاً بظهور تعقيدات في العلاقات عام 1991. السلوك البشري أعمق من أن تختصره لحظة عابرة (Pexels) برز الاكتئاب بوصفه العامل الأكثر انسجاماً مع المشكلات الزوجية، بينما ترافق عدم ثبات المزاج بتحدّيات في العلاقات مع أفراد العائلة والأصدقاء، حتى عند أخذه في الاعتبار. لا تُؤكّد هذه النتائج أنَّ تقلّب المزاج يتسبّب بتدهور العلاقات إذ إنَّها اعتمدت على بيانات مسحيّة وليست تجربة تُتيح إثبات علاقة سببيّة. الابتعاد والفتور لا يعنيان الرفض أو انتهاء العلاقة، فقد ينشآن عن مزاج عابر أو ظروف ضاغطة، كما قد تتغيّر قراءتنا للموقف تبعاً لحساسيّتنا إزاء الرفض، فتتحوّل من بسيطة إلى سلسلة من التأويلات وردود الفعل المتبادلة. لا ينبغي تفسير تقلّب المزاج بوصفه دليلاً كافياً على اضطراب نفسي، فقد يكون ابتعاد الآخرين ناتجاً من ظروف وأسباب لا تمتّ إلينا بصلة. يبقى السؤال الأهم: ما الذي تغيّر فعلاً؟ حالته النفسية، ظروفه، طبيعة العلاقة أم الطريقة التي نقرأ بها تصرّفاته؟ ففهم المرء يبدأ أحياناً بالتمييز بين ما نلاحظه، نستنتجه وما نعرفه على وجه اليقين. لا يعتمد فهم ما يدور حولنا بالبحث عن إجابات جاهزة أو تفسيرات متسرّعة لرفض الواقع، بل يبدأ غالباً بالتوقّف قليلاً وإدراك أنَّ السلوك البشري أعمق بكثير ممّا تراه العين. في ز