أن يأتي الحديث عن التنوع من كاتب لبناني يحمل دلالة خاصة. فنحن أبناء بلد صغير جغرافياً، لكنه شديد التنوع دينياً وثقافياً واجتماعياً، وشكّل التعايش بين مكوناته أحد أبرز أسئلة تجربته الوطنية. وربما لهذا السبب ظل سؤال التنوع يرافقني في رحلاتي إلى الصين، وإن كانت المقارنة بين البلدين، في الحجم والتاريخ والنظام السياسي والبنية الاجتماعية، غير ممكنة بالمعنى المباشر. زرت على امتداد سنوات عشرات المدن الصينية. دخلت مساجد ومعابد، وتجولت في أحياء قديمة وأسواق شعبية ومدن حديثة، والتقيت بأشخاص ينتمون إلى قوميات مختلفة. ومع اتساع دائرة السفر، بدأت عبارة "القوميات الست والخمسون" تفقد بالنسبة إليّ معناها الإحصائي، وتتحول إلى أشخاص وأماكن وعادات وأطعمة وملابس ولهجات وذاكرة ثقافية. الصين التي نعرفها من الخارج غالباً هي الصين الاقتصادية: المصانع، والموانئ، والقطارات فائقة السرعة، والمدن العملاقة، والتجارة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. لكن خلف هذه الصورة بلد آخر لا يقل إثارة للاهتمام؛ بلد شاسع تشكّل عبر تاريخ طويل من قوميات وثقافات ومناطق تختلف في كثير من تفاصيل حياتها، وتعيش جميعها داخل دولة واحدة. وكانت شينجيانغ من أكثر المناطق التي جعلتني أقترب من هذه المسألة، إلى درجة أنني خصصت لها لاحقاً كتاباً. لكن التجربة لم تبدأ هناك ولم تنته فيها. فالتنوع الذي رأيته في مناطق صينية مختلفة أقنعني بأن محاولة فهم الصين من بكين وشنغهاي وحدهما تشبه محاولة فهم كتاب من فصلين فيه. ما استوقفني لم يكن وجود الاختلاف في ذاته، فهذا أمر طبيعي في بلد بهذه المساحة والتاريخ، بل السؤال الذي يرافقه: كيف تدير دولة تضم هذا العدد من القوميات تنوعها، وكيف تحاول أن تحول الانتماءات المتعددة إلى هوية وطنية جامعة؟ الرئيس شي جينبينغ لخّص جانباً من الإجابة الصينية عندما قال عام 2019: "أبناء الشعب من كل القوميات مثل أفراد أسرة واحدة، وهذا هو الضمان الأساسي لتحقيق النهضة العظيمة للأمة الصينية حتماً". وتضع هذه العبارة أمامنا قضية تتجاوز الصين نفسها: كيف تستطيع المجتمعات أن تبني وحدة لا تشترط التطابق؟ إنها مسألة يعرفها اللبناني جيداً. فوجود الاختلاف لا يحدد وحده طبيعة المجتمع أو مستقبله، بل طبيعة العلاقة التي تنشأ بين المختلفين، وقدرة الدولة والمجتمع على إنتاج مساحة مشتركة أوسع من الانتماءات الجزئية. والتجارب التاريخية، في منطقتنا وخارجها، أظهرت أن التنوع لا يتحول تلقائياً إلى غنى، كما أنه ليس قدراً يقود حتماً إلى الصراع. المؤسسات والتعليم والتنمية والقانون والعدالة والذاكرة المشتركة تؤدي جميعها دوراً في تحديد المسار الذي يمكن أن يسلكه. في الصين، لا تفصل الدولة مسألة القوميات عن مشروع التنمية. وهذا جانب لفتني مراراً خلال السفر إلى مناطق بعيدة عن المراكز الاقتصادية المعروفة. فالطرق والسكك الحديدية والمطارات والمدارس وشبكات الاتصال ليست مجرد أرقام في خطط اقتصادية؛ إنها أيضاً وسائل لتقليص المسافة بين المركز والأطراف وبين المدن والمناطق البعيدة، وفتح مجالات أوسع أمام السكان للمشاركة في التنمية. ولهذا يربط الخطاب الصيني باستمرار بين التضامن بين القوميات و"الرخاء المشترك". وقال شي جين بينغ عام 2024: "ينبغي تسريع التنمية عالية الجودة في مناطق الأقليات القومية، ودفع تحقيق الرخاء المشترك لأبناء جميع القوميات بخطوات راسخة". ويستحق هذا الربط بين الوحدة والتنمية التفكير فيه عربياً أيضاً. فمن الصعب مطالبة الناس بالتمسك بهوية وطنية مشتركة إذا كانوا يشعرون بأن الجغرافيا أو المنطقة التي ولدوا فيها تحدد مسبقاً نصيبهم من التنمية والتعليم والعمل والخدمات. فالوحدة لا تُصنع بالخطاب وحده؛ تحتاج إلى مصالح مشتركة وإحساس بالمشاركة في مسار التقدم. واكتسبت هذه السياسة خلال العام الجاري بعداً قانونياً أكثر وضوحاً. ففي 12 آذار/مارس 2026 أقر المجلس الوطني الرابع عشر لنواب الشعب "قانون جمهورية الصين الشعبية لتعزيز التضامن والتقدم بين القوميات"، وأصدره الرئيس شي جين بينغ بموجب المرسوم الرئاسي رقم 71، ودخل القانون حيز التنفيذ في الأول من تموز/يوليو من العام نفسه. يقدم القانون إطاراً قانونياً أكثر وضوحاً لسياسة القوميات، جامعاً بين تعزيز الهوية الوطنية المشتركة والتواصل والتبادل والاندماج ودفع الرخاء والتنمية المشتركة. وكما هي الحال مع السياسات المتعلقة بالتنوع والهوية في دول كثيرة، أثار القانون قراءات مختلفة خارج الصين، ولا سيما بشأن العلاقة بين الهوية الوطنية الجامعة والخصوصيات الثقافية. غير أن فهم دلالته يقتضي قراءته ضمن المسار الصيني الأوسع في إدارة مجتمع يضم ستاً وخمسين قومية، وربط الوحدة بالتنمية والقانون والتفاعل بين مكونات المجتمع. وتعكس بنية القانون جانباً من هذه الرؤية؛ فإلى جانب الأحكام العامة والضما