في الشرق الأوسط، قد لا تكون أخطر الحروب هي تلك التي تُخاض بالصواريخ والطائرات، بل تلك التي تُدار خلف الأبواب المغلقة، حيث تتقاطع الخصومة مع التفاوض، والتصعيد مع البحث عن تفاهمات تحفظ لكل طرف مصالحه، وبينما تبدو إيران وإسرائيل في مواجهة مفتوحة، تثير التحركات المتزامنة في لبنان والضفة الغربية سؤالًا أكثر خطورة: هل يجري في الخفاء رسم حدود جديدة للمواجهة، تسمح لطهران وتل أبيب بإدارة صراعهما دون الذهاب إلى حرب شاملة، بينما تُترك الساحات العربية، وفي مقدمتها لبنان وفلسطين، لتدفع ثمن هذه التفاهمات المحتملة؟، فما يجري على الأرض لا يوحي فقط بحرب مفتوحة، وإنما بإعادة ترتيب للأدوار والأولويات؛ إيران تبحث عن مخرج يحفظ نفوذها وأوراقها، وإسرائيل تستثمر انشغال المنطقة لتثبيت وقائع جغرافية جديدة، فيما تنشغل واشنطن بإدارة الصراع الأكبر، وبين هذه الحسابات المتشابكة يبرز السؤال الأهم: هل نحن أمام مجرد تزامن في المصالح، أم أمام تفاهمات غير معلنة بين طهران وتل أبيب، يكون ثمنها لبنان وفلسطين؟ ليس ثمة ما يسمح حتى الآن بالتعامل مع وجود صفقة إيرانية – إسرائيلية سرية باعتبارها حقيقة مكتملة، لكن السياسة لا تُقرأ دائمًا من خلال الوثائق الموقعة أو البيانات الرسمية، وإنما من خلال تتابع الأحداث، وتزامن التحركات، وطبيعة النتائج التي تخرج من قلب الأزمات، وعندما تتكرر الوقائع بصورة تجعل المصادفة تفسيرًا غير كافٍ، يصبح السؤال مشروعًا، بل يصبح واجبًا على المحلل السياسي أن يطرحه: هل ثمة تفاهمات خلف الستار؟ وهل يجري توزيع الأدوار بحيث تبدو المنطقة كلها في حالة حرب، بينما يجري في الوقت نفسه إعداد تسويات جديدة لا يعرف تفاصيلها سوى عدد محدود من الاطراف؟، المشهد اللبناني يقدم واحدة من أكثر الإشارات إثارة لهذا السؤال، فمنذ اتساع المواجهة الإقليمية تحول لبنان مرة أخرى إلى ساحة مفتوحة للضغط الإسرائيلي، وأصبح الجنوب اللبناني يعيش بين نار الغارات الإسرائيلية وضغوط الترتيبات الأمنية الجديدة، بينما تجد الدولة اللبنانية نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد، فهي مطالبة باستعادة سيادتها وقرارها، لكنها في الوقت نفسه تواجه واقعًا فرضته سنوات طويلة من الصراع الإقليمي واستخدام الأراضي اللبنانية كساحة لتبادل الرسائل بين القوى المتصارعة. وإذا كانت إسرائيل تقول إن تحركاتها العسكرية في لبنان تستهدف منع حزب الله من إعادة بناء قدراته وفرض واقع أمني يحمي حدودها، فإن إيران، التي بنت جزءًا أساسيًا من نفوذها الإقليمي على وجود حزب الله بوصفه إحدى أهم أوراقها في المنطقة، لا تبدو مستعدة لدفع ثمن حرب شاملة من أجل كل موقع وكل جبهة، وهنا تكمن إحدى أكثر المفارقات إثارة في المشهد، فطهران تحتاج إلى حزب الله كورقة نفوذ وردع، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى الحفاظ على هذه الورقة، وليس استنزافها في حرب مفتوحة قد تؤدي إلى تدميرها أو تقليص قدرتها على استخدامها مستقبلًا. وهكذا يصبح لبنان في قلب معادلة شديدة القسوة، إسرائيل تريد إبعاد حزب الله عن حدودها، وإيران تريد الاحتفاظ به كورقة ضغط ونفوذ من دون أن تتحمل بالضرورة كلفة حرب طويلة بسببه، والولايات المتحدة تريد صيغة أمنية تقلص نفوذ إيران وتحفظ أمن إسرائيل، بينما يريد لبنان أن يعيش كدولة طبيعية، وأن تتوقف الضربات، وأن يعود النازحون إلى قراهم، وأن تكون الدولة وحدها صاحبة القرار في الحرب والسلم. لبنان يدفع ثمن صراعات لم يكن طرفًا فيها، ويجد نفسه مرة أخرى بين مشروع إيراني يستخدمه ورقة في الصراع الإقليمي، ومشروع إسرائيلي يريد إعادة تشكيل حدوده الأمنية، وضغط أمريكي يسعى إلى فرض ترتيبات جديدة، بينما تحاول الدولة اللبنانية استعادة قرارها وسيادتها وسط واقع عسكري وسياسي شديد التعقيد، وفي المقابل فإن إسرائيل لا تتحرك في لبنان وحده، بل يبدو واضحًا أنها تعمل على أكثر من مسار في الوقت نفسه، ففي الوقت الذي تنشغل فيه المنطقة بالمواجهة مع إيران وتداعياتها على الخليج ومضيق هرمز، تواصل إسرائيل تحركاتها في الضفة الغربية، حيث تتسع دائرة النشاط الاستيطاني والوجود العسكري والضغوط على الفلسطينيين، في مسار لا يبدو منفصلًا عن الرؤية الإسرائيلية الأوسع لمستقبل الأراضي الفلسطينية، وهنا تصبح الصورة أكثر إثارة للقلق، فكلما ارتفع مستوى التوتر حول إيران، انخفضت قدرة المجتمع الدولي على التركيز على فلسطين، وكلما انتقلت الأنظار إلى لبنان، وجدت إسرائيل مساحة أكبر للتحرك في الضفة، وكلما انشغلت واشنطن بمفاوضات مع طهران، أو بإدارة أزمة الخليج ومضيق هرمز، أو بمحاولة احتواء حرب إقليمية واسعة، استطاعت الحكومة الإسرائيلية أن تستثمر الوقت في فرض وقائع جديدة على الأرض الفلسطينية، وهذه ليست بالضرورة صفقة مكتوبة بين إيران وإسرائيل، وإنما قد تكون أخطر من الصفقة المباشرة، لأنها تقوم على تقاطع مصالح وتفاهمات