في الذكرى الرابعة والأربعين لاغتياله بشير الجميّل: قضية "قيصر" المسيحيين الضائع في الذكرى الرابعة والأربعين لاغتياله في كتابه "الأبطال وعبادة البطولة، والبطولي في التاريخ"، رأى توماس كارلايل أن التاريخ هو، في جوهره، سجلّ أفراد استثنائيين، رجال منحتهم شجاعتهم وقوة شخصيتهم القدرة على منح عصرهم اتجاهاً حين تعجز مؤسساته عن ذلك. ولم يقصد كارلايل أن هؤلاء الرجال يستحضرون التاريخ من العدم. فهم ينبثقون من فوضى لم يصنعوها، لكنهم يمسكون بزمامها، وبذلك يحوّلونها. الأزمة توفر الفرصة، والرجل العظيم يمنحها الاتجاه. قيصر مثال نموذجي ، ومن السهل إدراك السبب. فقد كانت روما تتآكل منذ عقود قبل ظهوره، ومجلس الشيوخ مشلول، والقادة يبنون جيوشهم الخاصة، ولا أحد قادر على الاتفاق على من يمسك بزمام الأمر فعلياً. لم يُصلح قيصر شيئاً من ذلك بطريقة نظيفة أو نبيلة. لكنه رفض أن تبتلعه الأزمة، وبمقاومته إياها، تحوّل إلى القوة السياسية التي كان على الجميع الالتفاف حولها. وقد شغل بشير الجميّل الموقع نفسه لدى مسيحيي لبنان. وهو ليس مطابقاً لموقع قيصر بالطبع؛ فالقرون والحروب والمخاطر كانت مختلفة، وادّعاء العكس يعني تكاسلاً من جهة الباحث. لكن يمكن القول إنه أدّى الدور نفسه: ظهر حين كان النظام القديم قد سقط بفعل الفوضى والحرب، وفرض الوحدة، وتسلّم السلطة في مواجهة احتمالات كان يُفترض أن تهزمه، ثم قُتل قبل أن يعرف أحد ما كان سيفعل منتصرا. لم يخسر المسيحيين زعيماً فحسب في أيلول 1982، بل خسروا قيصر. لم تكن روما قبل قيصر جمهورية بقدر ما كانت ذكرى جمهورية. وكان لبنان في أواخر السبعينيات في حالة مشابهة، وبالنسبة إلى المسيحيين تحديداً، لم يكن الخطر "حرباً غريبة" غامضة، بل كان له شكل محدد، وذلك الشكل كان متعدد الأوجه. برزت منظمة التحرير الفلسطينية، التي كانت قد أقامت فعلياً، بعد اتفاق القاهرة عام 1969، دولة داخل الدولة في جنوب لبنان وأجزاء من بيروت وجبل لبنان؛ أراضٍ لم يكن الجيش اللبناني قادراً على دخولها، ناهيك عن حكمها. وأُضيفت إلى ذلك لحركة الوطنية اللبنانية، تحالف كمال جنبلاط اليساري مع الشيوعيين الذي أراد تمزيق الترتيب الطائفي مع المسيحيين والقضاء عليهم. وفوق ذلك، نشطت ميليشيات إسلامية وقومية عربية تستخدم أعداداً كبيرة من المرتزقة من دول عربية مختلفة. وأخيراً وليس آخراً، تصدّر المشهد الجيش البعثي السوري، الذي دخل عام 1976 بذريعة إعادة النظام، وخلال سنوات قليلة كان يحاصر زحلة وبيروت الشرقية في محاولة لاجتياح جبل لبنان. مجتمعةً، وفي نظر غالبية المسيحيين اللبنانيين، شكّلت هذه القوى ما يشبه حصاراً بطيء الحركة. هذا هو العالم الذي دخله بشير: عالم لم يكن هادئاً ولا مستقراً، بل مزدحماً بقوى عازمة على إقصاء جماعته أو إخضاعها. ما فعله بشير فعلاً، قبل أي شيء آخر، هو أنه أرغم التنظيمات العسكرية المسيحية على الانضواء تحت قيادة واحدة. يبدو الأمر بسيطاً حين يُكتب هكذا، لكن والده نفسه، بيار الجميّل، رئيس حزب الكتائب اللبنانية، والرئيس السابق كميل شمعون، لم يكونا موافقين، أو متحمسين على أقل تقدير لفكرة إنشاء أو تأسيس القوات اللبنانية وكذلك معظم الحرس القديم في الجبهة اللبنانية. لم يكونوا يرون في جيش مركزي موحّد أمراً ضرورياً أو حكيماً. لكن بشير فعلها رغم ذلك. لم يكن يعيد تنظيم قوات فحسب، بل كان يراهن، وهو يدرك جيداً أن الجماعة المنقسمة تُهزم، وأن الجماعة الموحّدة وحدها تملك إمكانية البقاء. كان لذلك الرهان ثمن. فتوحيد التنظيمات العسكرية تطلب، مهما بدا الأمر قاسياً، إخضاع المنافسين المسيحيين الذين وقفوا في طريقه. وقيصر عامل بومبيوس بالطريقة نفسها عبر حرب داخلية دموية وقاسية. يحلو للتقليد الروماني أن يقول إنه احترم ذكراه بعد انتهاء الأمر، صحّ ذلك أم لم يصحّ. أما مسألة ما إذا كان سجلّ بشير تجاه الأطراف المسيحية التي كسرها يصمد بالقدر نفسه، فهي مسألة خلافية. لكن كلا الرجلين أدرك أن الوحدة لا تتحقق من دون مواجهة الانقسامات داخل معسكره هو نفسه، وعند الضرورة، كسر قوة من وقف في طريقها. يُذكر عبور قيصر لنهر الروبيكون بوصفه اللحظة التي أصبح فيها التراجع مستحيلاً، النقطة التي لم يعد فيها التردد خياراً متاحاً. وكان لبشير نسخته الخاصة من تلك اللحظة، إذ بنى قوة مسيحية مسلّحة ومنضبطة في تحدٍّ علني لجيش احتلال ولشكوك أركان جيله السابقين. فالرجال العظماء، بحسب سردية كارلايل، لا يقضون وقتهم في وزن الإيجابيات والسلبيات إلى ما لا نهاية. عند نقطة معينة، يصبح القرار نفسه هو الحجة الكاملة. ومن هناك تبدأ قصة بشير فعلياً، من اللحظة التي قرر فيها أن التردد لم يعد خياراً. في 23 آب 1982، انتُخب بشير رئيساً للبنان تحت احتلال عسكري سوري وإسرائيلي معاً، وسط مقاطعة جزء كبير من معارضيه، ومعارضة سورية، ومعارضة دو