لم يكن رشيد طه يبحث عن هوية موسيقية جاهزة، بل صنع هويته الخاصة من التناقضات التي عاشها: جزائري في فرنسا، عربي في مشهد روك غربي، ومهاجر حوّل تجربة الاغتراب في عمر صغير إلى موسيقى مفتوحة على العالم. في ذكرى رحيله الثامنة، نتذكر عالم رشيد طه الموسيقي الثوري، الحر، والمتمرد. في الثانية عشرة من عمره، غادر رشيد طه الجزائر متجهًا إلى فرنسا مع بداية السبعينيات. كانت تلك أول تجربة اقتلاع في حياته، وربما أكثرها ألمًا. استقرت عائلته في منطقة الألزاس، في فرنسا التي كانت لا تزال تحمل جراح حرب الجزائر، حيث لم يكن العثور على مكان بين الآخرين أمرًا سهلًا. تركت تلك التجربة أثرها على طفولته، كما طبعتها ساعات العمل الشاقة التي كان والده يقضيها في أحد المصانع.. لكنه سرعان ما بدأ، بجهد ذاتي، في بناء عالمه الخاص، واكتشاف الثقافة والمعرفة بعيدًا عن المسار التقليدي. في مراهقته، عمل ضمن فريق من بائعي الكتب المتجولين ، وهناك فتح الأدب أمامه عالمًا جديدًا. قرأ بشغف، وتعلّق بالكلمات، التي ستتحول لاحقًا إلى إحدى أهم أدواته لفهم العالم والتعبير عن نفسه ومواجهة ما حوله. في ضواحي ليون، أسس فرقة "Carte de Séjour" (بطاقة إقامة)، التي أصبحت إحدى أبرز فرق الروك الفرنسية في الثمانينيات. هناك، بدأ المزيج الذي سيصبح لاحقًا جوهر تجربته: روك غربي يلتقي بالموسيقى العربية، وإيقاعات شرقية تدخل فضاءً موسيقيًا لم تكن مألوفة فيه بهذه الطريقة. لم يكن مجرد تجربة موسيقية، بل طريقة للتعبير عن هوية جيل كامل يعيش بين ثقافتين، وعن حقه في أن يكون الاثنين معًا، من دون أن يختار واحدة على حساب الأخرى. كان رشيد طه يرفض أن يُختزل في صورة واحدة، لا "الفنان المهاجر" فقط، ولا "الجزائري" فقط، ولا "فنان الراي" فقط. حتى موسيقاه ظلت عصية على التصنيف. انتقل بين الروك والراي والموسيقى الإلكترونية، وواصل البحث عن أصوات جديدة، مؤمنًا بأن الموسيقى لا تحتاج إلى جواز سفر ولا إلى حدود. ومع المنتج البريطاني Steve Hillage، أخذ هذا البحث منحى أكثر تجريبًا، لينتج عنه Made In Medina عام 2000، حيث امتزجت الموسيقى العربية والراي بالإلكترونيات والروك. أعاد رشيد طه تقديم أغنية "يا رايح"، أيقونة الجزائري الراحل دحمان الحراشي، بروحه الخاصة، فتحولت إلى نجاح عالمي، وأصبحت الأغنية الناطقة باللغة العربية التي فتحت له أبواب جمهور أوسع بكثير. لكن المفارقة أن الأغنية التي جعلته قريبًا من الجمهور العربي، ساهمت أيضًا في اختزاله لدى كثيرين في صورة "فنان راي"، بينما كانت تجربته الموسيقية أوسع بكثير. «يا رايح» كانت جزءًا من عالم رشيد طه، وليست العالم كله. رشيد طه خلال حفل توزيع جوائز المهرجان الفرنسي جوائز انتصارات الموسيقى في دورته السادسة عشرة. ألبومه الأخير Je suis Africain الذي صدر عام 2019، بعد رحيله، أعاد رشيد طه إلى جذوره، لكن من زاوية تتجاوز الانتماء الجغرافي. في العمل، الذي أنتجه بالتعاون مع الموسيقي البريطاني Justin Adams، تتداخل موسيقى الروك والراي والإلكترونيات مع إيقاعات وأصوات أفريقية، احتفاءً بتنوع القارة وهوياتها المتعددة، في امتداد لرحلة فنية طويلة، جعل فيها رشيد طه من تعدد هوياته مساحة للحرية، ومن تجاوز الحدود جوهرًا لموسيقاه. كان فنانًا عابرًا للحدود، جعل من تعدد هوياته مصدرًا لقوته، ومن الاختلاف لغته، ومن الموسيقى مساحة لا تعترف بأي حدود.