في الوقت الذي يدخل فيه لبنان أكثر فأكثر في مسار سياسي موازٍ للحرب، اختارت "الجبهة الوطنية لإنقاذ لبنان وبناء الدولة" أن ترفع عنوان "وحدة وطنية، سلم أهلي، تحرير" في مؤتمر عقدته السبت. عنوان يبدو جامعاً في ظاهره، لكنه يخفي في داخله واحداً من أكثر الانقسامات حساسية في لبنان: كيف يمكن التوفيق بين مواجهة إسرائيل، والحفاظ على السلم الأهلي، وبين الخلاف على المقاومة وسلاحها، وعلى من يملك قرار الحرب والسلم ومن يملك حق التفاوض باسم الدولة؟ خلف المواقف التي أطلقت فيه، بدا واضحاً أن هناك محاولة لتثبيت أرضية سياسية في مواجهة مسار تفاوضي يُخشى أن يتجاوز وقف الحرب والانسحاب وتحرير الأسرى، وأن يتحول إلى مدخل لإعادة ترتيب المشهد اللبناني نفسه. وفي المقابل، يطرح أصحاب هذا الطرح الوحدة الوطنية بوصفها خطاً أحمر، ويرفضون أن تتحول الحرب إلى مادة للفتنة أو إلى وسيلة لإعادة إنتاج الانقسامات الداخلية. ومن هذه النقطة، اجتمع المشاركون على مجموعة من المبادئ: عدم المضي في "اتفاق الإطار"، وحصر التفاوض غير المباشر بوقف العدوان على لبنان والانسحاب الإسرائيلي وتحرير الأسرى، على أن يخضع أي اتفاق مع إسرائيل لاستفتاء شعبي. في افتتاح المؤتمر، حاول وزير الدفاع السابق يعقوب صرّاف تقديم الوحدة الوطنية باعتبارها المدخل الذي يمكن أن يجمع اللبنانيين رغم خلافاتهم. وقال "من كل أنحاء لبنان أتينا، وبطوائف وآراء متنوعة ومتضاربة أحياناً ومتوافقة أحياناً أخرى. أمور كثيرة تفرقنا، ولكن أموراً كثيرة أخرى تجمعنا، وهذا هدف المؤتمر: الوحدة الوطنية". إلا أن صرّاف لم يحصر مفهوم التحرير بالمواجهة مع إسرائيل. "تحرير الأرض مطلوب، ولكن لهذا أربابه"، قال، قبل أن ينقل المعركة إلى الداخل، معتبراً أن "الأصعب في التحرير هو تحرير عقولنا وقلوبنا، وقبول الرأي الآخر وعدم فرض الرأي عليه". في هذا السياق، ربط صرّاف بين التحرير والسلم الأهلي، محذراً من محاولات زرع الفتنة مستفيدة من هشاشة المجتمع اللبناني. فالمواجهة مع إسرائيل، بالنسبة إليه، لا ينبغي أن تتحول إلى مواجهة بين اللبنانيين، بل إلى مساحة للبحث عما يمكن أن يجمعهم في مواجهة المشاريع التقسيمية. وهنا يبرز التحدي الذي يحاول المؤتمر مقاربته: كيف يمكن الحفاظ على وحدة الداخل في وقت بات فيه الخلاف حول الحرب والمقاومة والتفاوض من أكثر الملفات التي تقسم اللبنانيين؟ جرادة: الحرب على الأرض... والحرب على الرواية من هذا الباب، انتقل النائب الياس جرادة إلى ما سماه "حرب السرديات". فالمعركة، في رأيه، لا تجري فقط على الأرض، بل أيضاً حول الرواية. وفي هذا السياق، توقف عند شعارات برزت في النقاش اللبناني خلال الحرب، مثل "ما بيشبهونا" و"لو ما بلشوا ما كانت صارت". بالنسبة إلى جرادة، لا يمكن التعامل مع هذه العبارات باعتبارها مجرد مواقف عابرة أو أخطاء في الخطاب السياسي والإعلامي. فهو يراها جزءاً من "حبكة إعلامية" وسرديات منظمة تهدف إلى "نسف الهوية اللبنانية". ومن هنا، تصبح المعركة على الرواية جزءاً من المعركة على الوطن نفسه. فاختلاف اللبنانيين حول الحرب لا ينفصل، وفق هذا الطرح، عن محاولة تحديد من هو اللبناني، ومن يمثل الوطن، ومن يملك حق احتكار رواية ما حصل. ولذلك شدد جرادة على أن الشهداء ليسوا ملكاً لفئة أو حزب أو طائفة، قائلاً إنهم "أمانة وشهداء كل لبنان". وربط ذلك بانتقاده للمنظومة السياسية والمالية التي أوصلت البلاد إلى الانهيار، قائلاً: "لا يجوز أن نكافئ الشهداء برياض سلامة آخر". في نهاية كلمته، عاد جرادة إلى اللغة الرمزية التي بدأ منها، مستعيداً صورة هولاكو ومار جرجس. قال إن لبنان يعيش "زمن هولاكو في بغداد"، لكنه أضاف: "نؤمن بزمن مار جرجس أيضاً. هولاكو مهما طال زمنه سوف يسقط". وفي قراءته، فإن من يساهمون في فتح الطريق أمام "هولاكو" لن يكونوا بمنأى عن مصير مشروعه، مستعيداً صورة من ساعدوا هولاكو في اقتحام بغداد وانتهى بهم الأمر إلى أن يقتلهم . مؤكداً أن "الشهداء أمانة وشهداء كل لبنان" و "كل نقطة دم بتسقط هي الكأس التي أتناول بها دم المسيح". انتقد الشاعر غسان مطر ما وصفه بالتباهي بأن هناك من "يفاوض"، في وقت يعيش فيه لبنان الحرب والأزمة. وقال إن "لبنان المنارة أصبح لبنان المقبرة"، متحدثاً عن الجوع واستباحة الأرض، قبل أن يوجه سؤاله إلى المفاوضين: "باسمنا ما تفعلون؟". ثم ذهب إلى حد اتهام المسار السياسي بأنه يخفي هدفاً آخر، متسائلاً "لماذا لا تعلنونها صريحة واضحة أنكم تريدون القضاء على المقاومة وأهلها؟". وتكشف هذه المواقف عن جوهر الاعتراض الذي يحمله المؤتمر على التفاوض. فالخشية ليست فقط من مضمون أي اتفاق يمكن التوصل إليه مع إسرائيل، بل من أن يتحول التفاوض إلى مسار سياسي يتجاوز وقف الحرب والانسحاب وتحرير الأسرى، ليدخل في إعادة ترتيب الوضع اللبناني الداخل